أصلنا يبطل كلام الفلاسفة؛ فإنه يقال لهم: أنتم تجوزون قيام الحوادث بالقديم؛ إذ الفَلَك قديم -عندكم- والحركات تقوم به، وتجوزون حوادث لا أول لها؛ وتعاقب الحركات على الشيء لا يسلتزم حدوثه، واذا كان كذلك فلم لا يجوز1 أن يكون الخالق للعالَم له أفعال اختيارية تقوم به يُحدث بها الحوادث، ولا يكون تسلسلها وتعاقبها دليلًا على حدوث ما قامت به.
قال هؤلاء لأصحابهم الذين أثبتوا حدوث العالَم بهذه الطريق2: [هذه الطريق] 3 تُسَلِّطُ عليكم الفلاسفة في مسألة «حدوث العالَم» ؛ فإنكم إذا أثبتم حدوث العالَم، وقلتم: المحدَث لا بُدَّ له من محدِث؛ لأن تخصيص الحوادث ببعض الأوقات دون بعض لا بُدَّ له من مخصِّص - قال لكم الدهرية: فأنتم تجوِّزون الحدوث من غير سبب حادث يقتضي التخصيص ببعض الحوادث دون بعض.
فإن قلتم: القديم يخصص مِثْلًا عن مِثْل بلا سبب أصلًا. جوزتم تخصيص أحد المِثْلَين على الآخر بغير مخصِّص، وهذا يفسد عليكم إثبات العلم بالصانع، وهو المقصود بطريقكم، فسلكتم طريقًا لم تُحَصِّل المقصود من العرفان، وسلطتم عليكم أهل الضلال والعدوان، كمن أراد أن يغزو العدو بغير طريق شرعي؛ فلا فتح بلادهم، ولا حفظ بلاده، بل سلَّطهم حتى صاروا يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه.
ولهذا ذَمَّ السلفُ والأئمةُ أهلَ الكلام المحدَث المخالف للكتاب والسنة؛ إذ كان فيه من الباطل في الأدلة والأحكام ما أوجب تكذيب بعض ما أخبر به الرسول وتسلُّط4 العدو على أهل الإسلام.
وليس هذا موضع بسط الكلام في هذه الأمور الكبيرة العظيمة5، بل