يُحكى عن [بعض] 1 قدماء الفلاسفة من تجويز وجود مادة خالية عن جميع الصُّوَر، ويُذكر هذا عن شيعة أفلاطون، وقد رد ذلك عليهم أرسطو وأتباعه.
وقد بسطنا الكلام في الرد على هؤلاء في غير هذا الموضع، وبينا أن ما يدعيه2 شيعة أفلاطون من إثبات مادة في الخارج خالية عن جميع الصُّوَر، ومن إثبات خلاء موجود غير الأجسام وصفاتها، [ووجود مدة موجودة وهو جوهر غير الأجسام وصفاتها] 3، من إثبات المُثُل الأفلاطونية: وهو إثبات حقائق كُلِّية خارجة عن الذهن غير مقارنة للأعيان الموجودة - كل ذلك أمور ذهنية جرَّدها الذهن وانتزعها من الحقائق الموجودة المعيَّنة، فظنوها ثابتةً في الخارج عن أذهانهم.
كما ظن قدماؤهم الفيثاغورية أن العدد أمر موجود في الخارج، بل وما ظنه أرسطو وشيعته من إثبات مادة في الخارج مغايرة للجسم المحسوس وصفاته، وإثبات ماهيات كُلِّية للأعيان مقارنة لأشخاصها في الخارج. هو أيضًا من باب الخيال؛ حيث اشتبه عليه ما في الذهن بما في الخارج، وفرَّق بين الوجود والماهية في الخارج.
وأصل ذلك أن الماهية -في غالب اصطلاحهم- اسم لما يُتَصَوَّر في الأذهان، والوجود اسم لما يوجد في الأعيان. والفرق بين ما في الذهن وما في الخارج لا ينازع فيه عاقل فَهِمَه، لكنهم بعدها ظنوا أن في الخارج ماهية للشيء الموجود مغايرة للشخص الموجود في الخارج.
وهذا غلط؛ بل ما في النفس -سواء سمي وجودًا ذهنيًّا4، أو ماهية ذهنية، أو غير ذلك- هو مغاير لما في الخارج، سواء سمي ذلك وجودًا