ولهذا أردفه بقوله: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، قال: فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله.
وذلك أن مثل هذا يكون كذبًا محضًا يَكْذِبُه1 لغير عادة جرت، وهذا لا يفعله إلا من يكون من شأنه أن يكذب. فإذا2 لم يكن من خُلقه الكذب قط، بل لا يُعرف منه إلا الصدق، وهو يتورَّع أن يكذب على الناس، كان تورعه عن أن يكذب على الله أولى وأحقَّ3. والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه، فإذا انتفى هذا وهذا كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق.
ثم أردف ذلك بالسؤال عن علامات الصدق؛ فقال: وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم4: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.
وهذه علامة5 من علامات الرسل، وهو اتِّباع الضعفاء لهم6 ابتداء؛ قال الله تعالى حكاية عن قوم نوح: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] . وقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27] . وقال تعالى في قصة صالح: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ • قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 75، 76] 7. وقال