وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله، وذَلَّ وتاب إلى الله من الذنوب، وطلب النصر من الله، وبرئ من حوله1 وقوته متوكلًا على الله؛ ولهذا ذكَّرهم الله بحالهم يوم بدر، وبحالهم2 يوم حنين؛ فقال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] . وقال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ • ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوية: 25، 26] .
وشواهد هذا الأصل كثيرة، وهو أمر يجده الناس بقلوبهم، ويحسُّونه3 ويعرفونه من أنفسهم ومن غيرهم، وهو من المعارف الضرورية الحاصلة بالتجربة لمن جربها، والأخبار المتواترة لمن سمعها.
ثم ذكر حكمة أخرى، فقال: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} . وذلك أن الله سبحانه إنما يعاقب الناس بأعمالهم، والكافر إذا كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنيا، فإذا لم تبق له حسنة عاقبه بكفره، والكفار إذا أُديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدة الكفر والتكذيب ما يستحقون به المحق، ففي إدالتهم ما يمحقهم الله به.
وأما الغَدْر؛ فإن الرسل لا تَغْدِر أصلًا؛ إذ الغدر قرين الكذب، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان) 4. وفي الصحيحين أيضًا