وأما المعتزلة، فهم خير منهم1، فإنهم يقرون بأن لله تعالى كلامًا منفصلًا خارجًا عن نفس الرسول، كما أن له ملائكة منفصلين عن نفس الرسول، وليست هي العقول والنفوس التي تزعمها2 المتفلسفة والقرامطة، بل يقرون بما أخبر به القرآن من أصناف الملائكة وأوصافهم، لكنهم - مع هذا - لا يقرون بأن لله كلامًا قائمًا به، فحقيقة3 مذهبهم أن الله سبحانه لا يتكلم، وإنما4 يخلق كلامًا5 في غيره.
ولما ابتدعت الجهمية هذه المقالة كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم، أو يتكلم مجازًا، لكن المعتزلة امتنعت من هذا الإطلاق؛ وقالوا: إنه متكلِّم، أو يتكلَّم6 حقيقة. لكنهم فسروا ذلك بأنه خلق كلامًا في غيره، فلم ينازعوا قدماء الجهمية في حقيقة المذهب، وإنما نازعوهم في اللفظ.
والسلف والأئمة لما عرفوا حقيقة مذهبهم عرفوا أن هذا كفر، وأن هذا في الحقيقة تعطيل للرسالة، وأنه يمتنع أن يكون متكلِّمًا7 بكلام لا يقوم به، بل بغيره؛ كما يمتنع أن يكون عالمًا بعلم لا يقوم به، بل بغيره؛ وأن يكون قادرًا بقدرة لا تقوم به، بل بغيره. وأنه لو كان كذلك لكان ما يخلقه من الكلام في مخلوقاته كلامًا له، وقد قال تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21] ؛ وقال عز وجل: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65] . بل قد ثبت أن الله خالق كل شيء؛ فيجب أن يكون - على قولهم8 - كل كلام في الوجود كلامه.