كاذب، فيصير إخباره عما عَلِمَه بالضرورة كإخبار أهل التواتر عما علموه بالضرورة.
وأيضًا فالمتنبي الكذاب كمسيلمة والعَنْسي ونحوهما؛ يَظْهُر لمخاطبه1 من كذبه في أثناء الأمور أعظم مما يظهر من كذب غيره، فإنه إذا كان الإخبار عن الأمور المشاهدة لا بُدَّ أن يظهر فيه كذب الكاذب؛ فما الظن بمن يُخبر عن الأمور الغائبة التي تُطلب منه.
ومن لوازم النبي التي لا بُدَّ منها: الإخبار عن الغيب الذي أنبأه الله2 به، فإنَّ مَن لم يُخْبِر عن غيب لا يكون نبيًّا؛ فإذا أخبرهم المتنبىء3 عن الأمور الغائبة عن حواسهم4، من الحاضرات والمستقبلات والماضيات، فلا بُدَّ أن يَكْذِب فيها، ويظهر لهم كذبه؛ وإن كان قد يصدق أحيانًا في شيء، كما يظهر كذب الكُهَّان والمُنَجِّمِين ونحوهم، وكذب المدَّعِين للدِّين والوَلاية والمَشْيَخَة بالباطل، فإن الواحد من هؤلاء وإن صَدَق في بعض الوقائع؛ فلا بُدَّ أن يَكْذِب في غيرها، بل يكون كذبه أغلب من صدقه، بل تتناقض أخباره وأوامره، وهذا أمر جرت به سُنَّةُ الله التي لن تجد لها تبديلًا؛ قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
وأما النبي الصادق المصدوق5 فهو فيما6 يُخْبِر به عن7 الغيوب، توجد أخباره صادقة مطابقة، وكلما زادت أخباره ظهر صدقه، وكلما قويت مباشرته وامتحانه ظهر صدقه؛ كالذهب الخالص الذي كلما سُبِكَ خَلَص وظَهَر8 جوهره، بخلاف