ذلك؛ فلا بُدَّ أن يكون كاذبًا فاجرًا؛ كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ • تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ • يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 221 - 223] 1. وهذا بيان لأن الذي يأتيه مَلَك لا شيطان، فإن الشيطان لا يَنْزِل على الصادق البارِّ ما دام صادقًا بارًّا؛ إذ لا يحصل مقصوده بذلك، وإنما يَنْزِل على من يناسبه في التشيطن2 وهو الأفَّاك3 الأثيم، [والأَفَّاك: الكَذَّاب] 4، والأثيم: الفاجر.
وتارة يُخْبِرُ النبيُّ5 بأمور ويأمر بأمور، لا يَتَبَيَّن للعقول6 صِدْقُها ومَنْفَعَتُها في أول الأمر، فإذا صَدَّق الإنسان خَبَرَه وأطاع أمره؛ وجد في ذلك من البيان للحقائق، والمنفعة والفوائد، ما يَعْلَمُ به أن عنده من عظيم العلم والصدق والحِكمة ما لا يعلمه إلا الله7؛ أعظم مما يتَبَيَّن به8 صدقُ الطبيب إذا استعمل ما يصفه من الأدوية، وصدق العاقل9 المُشِيْر إذا استعمل ما يراه من الآراء، وأمثال ذلك، وحينئذٍ يحصل10 للنفوس علم ضروري بكمال عقله وصدقه.
فإذا أخبر بعد ذلك عن أمور ضرورية يراها أو يسمعها، حصل للنفوس علم ضروري بأنه صادق لا يتعمد الكذب، وأنه مُتَيَقِّن11 لما أخبر به، ليس فيه خطأ ولا غلط؛ أعظم مما يَتَبَيَّن به صدق من أخبر عما رآه من الرؤيا، أو عما رآه من العجائب وأمثال ذلك.
فإن المخبِر12 إنما تأتيه الآفة مِنْ تَعَمُّد الكذب، أو الخطأ؛ بأن يَظُن