فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 626

الاستغراق مع أنه ارتاب فيه المرتابون، لكن نزّل منزلة العدم، تعويلا على ما يزيله من الأدلة الباهرة، كما نزّل الإنكار منزلة عدمه لذلك.

وقال الزمخشري [1] : بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان على أن يكون الموت نصب عينيه، ولا يغفل عن ترقبه، فإنّ مآله إليه، فكأنه أكّدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى، لأنّ الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي، حتى كأنّه يخلد. ولم يؤكد جملة البعث إلّا بإنّ لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع، ولا يقبل إنكارا.

وقال التاج بن الفركاح: أكّد الموت ردّا على الدهريّة القائلين ببقاء النوع الإنسانيّ خلفا عن سلف، واستغنى عن تأكيد البعث هنا، لتأكيده والردّ على منكره في مواضع، كقوله: {قُلْ بَلى ََ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7] .

وقال غيره: لمّا كان العطف يقتضي الاشتراك، استغنى عن إعادة اللّام، لذكرها في الأول.

وقد يؤكّد بها أي: باللام للمستشرف الطالب الذي قدّم له ما يلوح بالخبر، فاستشرفت نفسه إليه، نحو: {وَلََا تُخََاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود: 37] أي: لا تدعني يا نوح في شأن قومك. فهذا الكلام يلوّح بالخبر تلويحا، ويشعر بأنه قد حقّ عليهم العذاب، فصار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم: هل صاروا محكوما عليهم بذلك أو لا؟

فقيل: إنهم مغرقون بالتأكيد.

وكذا قوله: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 1] لمّا أمرهم بالتقوى وظهور ثمرتها، والعقاب على تركها محلّه الآخرة، تشوّفت نفوسهم إلى وصف حال الساعة، فقال: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السََّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] . بالتأكيد، ليقرّر عليه الوجوب.

وكذا قوله: {وَمََا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [يوسف: 35] فيه تحيير للمخاطب، وتردّد في أنه كيف لا يبرّئ نفسه وهي بريئة زكية، ثبتت عصمتها وعدم مواقعتها السوء، فأكّده بقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف 53] .

وقد يؤكّد لقصد الترغيب، نحو: {فَتََابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوََّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] أكّد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة.

وقد سبق الكلام على أدوات التأكيد المذكورة ومعانيها ومواقعها في النوع الأربعين.

(1) انظر البرهان 3/ 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت