أشكل على هذا آيتان: قوله تعالى: {وَمََا رَبُّكَ بِظَلََّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] . قوله: {وَمََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 46] .
وأجيب عن الآية الأولى بأجوبة:
أحدها: أنّ ظلّاما وإن كان للكثرة لكنه جيء به في مقابلة: (العبيد) الذي هو جمع كثرة، ويرشحه أنه تعالى قال: {عَلََّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] فقابل صيغة (فعّال) بالجمع. وقال في آية أخرى: {عََالِمَ الْغَيْبِ} [الزمر: 46] فقابل صيغة (فاعل) الدالة على أصل الفعل بالواحد.
الثاني: أنّه نفى الظلم الكثير لينتفي القليل ضرورة لأنّ الذي يظلم إنما لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فلأن يترك القليل أولى.
الثالث: أنّه على النسبة، أي: بذي ظلم، حكاه ابن مالك عن المحققين.
الرابع: أنه أتى بمعنى (فاعل) لا كثرة فيه.
الخامس: أنّ أقل القليل لو ورد منه تعالى لكان كثيرا، كما يقال: زلّة العالم كبيرة.
السادس: أنّه أراد: ليس بظالم، ليس بظالم، ليس بظالم تأكيدا للنفي فعبّر عن ذلك ب {لَيْسَ بِظَلََّامٍ} .
السابع: أنّه ورد جوابا لمن قال: (ظلّام) . والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم.
الثامن: أنّ صيغة المبالغة وغيرها في صفات الله سواء في الإثبات، فجرى النفي على ذلك.
التاسع: أنه قصد التعريض بأنّ ثم ظلّاما للعبيد من ولاة الجور.
ويجاب عن الثانية بهذه الأجوبة. وبعاشر: وهو مناسبة رءوس الآي.
قال صاحب الياقوتة: قال ثعلب والمبرّد: العرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا، نحو: {وَمََا جَعَلْنََاهُمْ جَسَدًا لََا يَأْكُلُونَ الطَّعََامَ} [الأنبياء: 8] والمعنى:
إنّما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام، وإذا كان الجحد في أول الكلام كان جحدا حقيقيّا، نحو: (ما زيد بخارج) وإذا كان في أوّل الكلام جحدان كان أحدهما زائدا، وعليه: فِيمََا
إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ [الأحقاف: 26] في أحد الأقوال.