وذهب بعضهم إلى أنّ المراد بهما يوم القيامة، وأنه باعتبار حال المؤمن والكافر، بدليل قوله: {يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكََافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [1] [المدثر: 9، 10] .
قال الزركشيّ في «البرهان» [2] : للاختلاف أسباب:
أحدها: وقوع المخبر به على أنواع مختلفة وتطويرات شتّى، كقوله في خلق آدم:
{مِنْ تُرََابٍ} [آل عمران: 59] . ومرة: {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26و 28و 33] . ومرة:
{مِنْ طِينٍ لََازِبٍ} [الصافات: 11] . ومرّة: {مِنْ صَلْصََالٍ كَالْفَخََّارِ} [الرحمن: 14] : فهذه ألفاظ مختلفة، ومعانيها في أحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلّا أنّ مرجعها كلها إلى جوهر، وهو التراب، ومن التراب درجت هذه الأحوال.
وكقوله: {فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ} [الشعراء: 32] . وفي موضع: {تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ}
[القصص: 31] . والجانّ الصغير من الحيّات، والثعبان الكبير منها، وذلك لأنّ خلقها خلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفّتها كاهتزاز الجانّ وخفّته.
الثاني: لاختلاف الموضوع، كقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) } [الصافات: 24] .
وقوله: {فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) } [الأعراف: 6] . مع قوله:
{فَيَوْمَئِذٍ لََا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلََا جَانٌّ (39) } [الرحمن: 39] . قال الحليميّ [3] :
فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرّسل، والثانية على ما يلتزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه.
وحمله غيره على اختلاف الأماكن، لأنّ في القيامة مواقف كثيرة، ففي موضع يسألون، وفي آخر لا يسألون.
(1) انظر في مسألة التوفيق بين هذه الآيات: الفوائد لابن عبد السلام ص 142، وملاك التأويل 2/ 862 864، وأنموذج جليل ص 406405، وفتح الرحمن ص 453451، وتأويل مشكل القرآن ص 353، والمنهاج في شعب الإيمان 1/ 340339.
(2) انظر البرهان 2/ 54.
(3) انظر المنهاج للحليمي 1/ 386.