ونازع ابن العربيّ في قولهم: إنّ الخبر يرد بمعنى الأمر أو النهي، قال في قوله تعالى: {فَلََا رَفَثَ} [البقرة: 197] : ليس نفيا لوجود الرّفث، بل نفي لمشروعيّته [1] ، فإنّ الرفث يوجد من بعض الناس، وأخبار الله تعالى لا يجوز أن تقع بخلاف مخبره وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا، كقوله: {وَالْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ}
[البقرة: 228] ومعناه: مشروعا لا محسوسا، فإنا نجد مطلقات لا يتربّصن، فعاد النفيّ إلى الحكم الشرعيّ لا إلى الوجود الحسّي. وكذا: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) } [الواقعة: 79] أي: لا يمسّه أحد منهم شرعا، فإن وجد المسّ فعلى خلاف حكم الشرع.
قال: وهذه الدّفينة التي فاتت العلماء، فقالوا: إنّ الخبر يكون بمعنى النهي، وما وجد ذلك قط، ولا يصحّ أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ويتباينان وضعا. انتهى.
فرع [2]
من أقسامه على الأصحّ التعجب،
قال ابن فارس: وهو تفضيل شيء على أضرابه.
وقال ابن الصائغ: استعظام صفة، خرج بها المتعجّب منه عن نظائره.
وقال الزمخشريّ [3] : معنى التّعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأنّ التعجّب لا يكون إلّا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله.
وقال الرّمانيّ: المطلوب في التعجّب الإبهام لأنّ من شأن الناس أن يتعجّبوا ممّا لا يعرف سببه، فكلما استبهم السبب كان التعجّب أحسن.
قال: وأصل التعجّب إنّما هو للمعنى الخفي سببه، والصيغة الدّالّة عليه تسمّى تعجّبا مجازا.
قال: ومن أجل الإبهام لم تعمل (نعم) إلّا في الجنس من أجل التفخيم ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر.
ثم قد وضعوا للتعجّب صيغا من لفظه، وهي: (ما أفعل) و: (أفعل به) وصيغا من غير لفظه، نحو (كبر) كقوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ} [الكهف: 5] ،
(1) انظر الدر المصون 2/ 327323.
(2) انظر البرهان 2/ 317.
(3) انظر أساس البلاغة ص 293، والكشاف 4/ 418في تفسير سورة الصف، كما ذكره في البرهان 2/ 317.