فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 626

آخره، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى وصرفهم عن الدّنيا إلى الدين.

وكلام الآدميين تتطرّق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء والمترسّلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغثّ والسّمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة لأن الشعراء والفصحاء في كلّ واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمّونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمّونها صرامة، وتارة يذمّونها ويسمّونها تهوّرا، ولا ينفك كلام آدميّ عن هذه الاختلافات لأنّ منشأها اختلاف الأغراض والأحوال، والإنسان تختلف أحواله: فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذّر عليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرّة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدّة نزول القرآن فيتكلّم على غرض واحد ومنهاج واحد، ولقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشرا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.

السابع:

هل كان غير القرآن من كلام الله معجزا، كالتوراة والإنجيل؟

قال القاضي: فإن قيل: هل تقولون إنّ غير القرآن من كلام الله معجز، كالتوراة والإنجيل؟ قلنا: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمّن من الإخبار بالغيوب وإنما لم يكن معجزا لأنّ الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن: ولأنّا قد علمنا أنه لم يقع التحدّي إليه، كما وقع في القرآن، ولأنّ ذلك اللسان لا يتأتّى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع فيه التفاضل الذي ينتهي إلى حدّ الإعجاز، قد ذكر ابن جنّي في الخاطريات في قوله: {قََالُوا يََا مُوسى ََ إِمََّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمََّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ََ (65) } [طه: 65] إنّ العدول عن قوله: (وإما أن نلقي) لغرضين: أحدهما لفظيّ، وهو المزاوجة لرءوس الآي، والآخر معنويّ، وهو أنه تعالى أراد أن يخبر عن قوة أنفس السّحرة واستطالتهم على موسى، فجاء عنهم باللفظ أتمّ وأوفى منه في إسنادهم الفعل إليه.

ثم أورد سؤالا، وهو: أنّا نعلم أنّ السحرة لم يكونوا أهل لسان، فنذهب بهم هذا المذهب من صنعة الكلام؟

وأجاب: بأنّ جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون

الخالية، إنما هو معرب عن معانيهم، وليس بحقيقة ألفاظهم، وهذا لا يشك في أن قوله تعالى: {قََالُوا إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ يُرِيدََانِ أَنْ يُخْرِجََاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمََا وَيَذْهَبََا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ََ (63) } [طه: 63] أنّ هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت