السادس: الالتفات، قال الشيخ بهاء الدين السّبكيّ: لم أر من ذكر: هل هو حقيقة أو مجاز؟ قال: وهو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد.
هو الموضوعات الشرعيّة، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فإنّها حقائق بالنظر إلى الشرع، مجازات بالنظر إلى اللغة.
قيل بها في ثلاثة أشياء:
أحدها: اللّفظ قبل الاستعمال، وهذا القسم مفقود في القرآن، ويمكن أن يكون منه أوائل السّور على القول بأنّها للإشارة إلى الحروف التي يتركّب منها الكلام.
ثانيها: الإعلام.
ثالثها: اللفظ المستعمل في المشاكلة، نحو: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللََّهُ} [آل عمران: 54] . {وَجَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا} [الشورى: 40] . ذكر بعضهم أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز، قال: لأنّه لم يوضع لما استعمل فيه، فليس حقيقة، ولا علاقة معتبرة فليس مجازا، كذا في شرح بديعيّة ابن جابر لرفيقه.
قلت: والذي يظهر: أنها مجاز، والعلاقة المصاحبة.
خاتمة: لهم مجاز المجاز، وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر، فيتجوّز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما، كقوله تعالى:
{وَلََكِنْ لََا تُوََاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة: 235] فإنّه مجاز عن مجاز، فإن الوطء تجوّز عنه بالسرّ لكونه لا يقع غالبا إلّا في السّرّ، وتجوّز به عن العقد، لأنه مسبّب عنه، فالمصحّح للمجاز الأول الملازمة، والثاني السببيّة، والمعنى: لا تواعدوهنّ عقد نكاح.
وكذا قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمََانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5] فإنّ قوله {لََا إِلََهَ إِلَّا اللََّهُ} [الصافات: 35] ، مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ، والعلاقة السببيّة لأنّ توحيد اللسان مسبّب عن توحيد الجنان، والتعبير ب (لا إله إلّا الله) عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه.
وجعل منه ابن السيد قوله: {أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاسًا} [الأعراف: 26] . فإن المنزّل عليهم ليس هو نفس اللباس، بل الماء المنبت للزرع، المتّخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس.