فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 626

بالمصدر، والبناء بناء مبالغة، والقلب، وهو للاختصاص إذ لا يطلق على غير الشيطان.

تنبيه

تقديم المعمول يفيد الحصر

كاد أهل البيان يطبقون على أنّ تقديم المعمول يفيد الحصر، سواء كان مفعولا أو ظرفا أو مجرورا، ولهذا قيل في: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة: 5] .

معناه: (نخصّك بالعبادة والاستعانة) . وفي: {لَإِلَى اللََّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] معناه:

(إليه لا إلى غيره) . وفي: {لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى النََّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}

[البقرة: 143] أخّرت الصلة في الشهادة الأولى، وقدّمت في الثانية، لأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم، وفي الثاني إثبات اختصاصهم بشهادة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم.

وخالف في ذلك ابن الحاجب، فقال في شرح «المفصّل» : الاختصاص الذي يتوهّمه كثير من النّاس من تقديم المعمول وهم، واستدلّ على ذلك بقوله: {فَاعْبُدِ اللََّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] . ثم قال: {بَلِ اللََّهَ فَاعْبُدْ} [الزمر: 66] . وردّ هذا الاستدلال بأنّ {مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أغنى عن إفادة الحصر في الآية الأولى، ولو لم يكن فما المانع من ذكر المحصور في محل بغير صيغة الحصر، كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ}

[الحج: 77] . وقال: {أَمَرَ أَلََّا تَعْبُدُوا إِلََّا إِيََّاهُ} [يوسف: 40] . بل قوله: {بَلِ اللََّهَ فَاعْبُدْ}

من أقوى أدلّة الاختصاص، فإنّ قبلها: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] فلو لم يكن للاختصاص، وكان معناها: (اعبد الله) ، لما حصل الإضراب الذي هو معنى (بل) .

واعترض أبو حيان [1] على مدّعي الاختصاص بنحو: {أَفَغَيْرَ اللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ}

[الزمر: 64] . وأجيب: بأنّه لمّا أشرك بالله غيره كأنه لم يعبد الله، وكان أمرهم بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة.

وردّ صاحب «الفلك الدائر» الاختصاص بقوله: {كُلًّا هَدَيْنََا وَنُوحًا هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 84] وهو من أقوى ما ردّ به. وأجيب: بأنه لا يدّعى فيه اللزوم، بل الغلبة، وقد يخرج الشيء عن الغالب.

قال الشيخ بهاء الدين: وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي:

{أَغَيْرَ اللََّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ بَلْ إِيََّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40، 41] فإنّ التقديم في الأوّل قطعا ليس للاختصاص، وفي: {إِيََّاهُ} قطعا للاختصاص.

(1) انظر البحر المحيط 7/ 439438.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت