قال: وكيف يعاب السجع على الإطلاق، وإنّما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلامهم، وإنّما لم يجيء على
أسلوب واحد لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرّا على نمط واحد، لما فيه من التكلّف، ولما في الطبع من الملل، ولأنّ الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع، وبعضها غير متماثل.
فصل [1]
الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة
ألّف الشيخ شمس الدين بن الصائغ كتابا سمّاه «إحكام الرأي في أحكام الآي» قال فيه:
اعلم أنّ المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول. قال: وقد تتبّعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت منها على نيّف عن الأربعين حكما.
أحدها: تقديم المعمول: إمّا على العامل: نحو: {أَهََؤُلََاءِ إِيََّاكُمْ كََانُوا يَعْبُدُونَ}
[سبأ: 40] ، قيل: ومنه: {وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، أو على معمول آخر أصله التقديم، نحو: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا الْكُبْرى ََ (23) } [طه: 23] إذا أعربنا {الْكُبْرى ََ} مفعول (نري) . أو على الفاعل، نحو: {وَلَقَدْ جََاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) } [القمر: 41] ، ومنه تقديم خبر كان على اسمها، نحو: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } [الإخلاص: 4] .
الثاني: تقديم ما هو متأخر في الزمان: نحو: {فَلِلََّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ََ (25) } [النجم: 25] ، ولولا مراعاة الفواصل لقدّمت {وَالْأُولى ََ} كقوله: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى ََ وَالْآخِرَةِ} [القصص:
الثالث: تقديم الفاضل على الأفضل: نحو: {بِرَبِّ هََارُونَ وَمُوسى ََ} [طه: 7] وتقدّم ما فيه.
الرابع: تقديم الضمير على ما يفسّره: نحو: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ََ (67) } [طه:
الخامس: تقديم الصفة المجملة على الصفة المفردة: نحو: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ كِتََابًا يَلْقََاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13] .
(1) انظر مفتاح السعادة، 2/ 349346فقد نقلها ملخصة، والفاصلة للحسناوي ص 53.