فصل [1]
من هذا النوع مناسبة فواتح السور وخواتمها،
وقد أفردت فيه جزءا لطيفا سميته:
«مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع» [2] .
وانظر إلى سورة القصص: كيف بدئت بأمر موسى ونصرته، وقوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] وخروجه من وطنه، وختمت بأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بألّا يكون ظهيرا للكافرين، وتسليته عن إخراجه من مكة ووعده بالعود إليها، لقوله في أول السورة:
{إِنََّا رَادُّوهُ} [القصص: 7] .
قال الزمخشريّ [3] : وقد جعل الله فاتحة سورة: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } وأورد في خاتمتها {إِنَّهُ لََا يُفْلِحُ الْكََافِرُونَ} [المؤمنون: 117] فشتّان ما بين الفاتحة والخاتمة!.
وذكر الكرمانيّ في العجائب مثله.
وقال: في سورة (ص) بدأها بالذكر، وختمها به في قوله: {إِنْ هُوَ إِلََّا ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ (87) } [ص: 78] .
وفي سورة (ن) بدأها بقوله: {مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) } ، وختمها بقوله: {إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 2، 51] .
ومنه: مناسبة فاتحة السور لخاتمة ما قبلها [4] . حتى إنّ منها ما يظهر تعلّقها به لفظا، كما في: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) } [الفيل: 5] {لِإِيلََافِ قُرَيْشٍ (1) } [قريش: 1] .
فقد قال الأخفش: اتصالها بها من باب: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] .
وقال الكواشيّ في تفسير المائدة [5] : لما ختم سورة النساء أمرا بالتوحيد والعدل بين العباد أكّد ذلك بقوله: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
(1) انظر البرهان 1/ 185.
(2) وهو موجود في شستربيتي (5112) ، وليدن (474/ 24) ، ومخطوطات جامعة الكويت (3609) . وانظر دليل مخطوطات السيوطي ص 42. وقد اعتنى الغماري بهذا النوع من المناسبات في كتابه: «جواهر البيان في تناسب سور القرآن» اهـ.
(3) الكشاف 3/ 45، وانظر البرهان 1/ 186.
(4) انظر البرهان 1/ 186.
(5) نقله في البرهان 1/ 186.