وقال غيره [1] : إذا اعتبرت افتتاح كلّ سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى:
كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنّه مناسب لختام المائدة من فصل القضاء، كما قال تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} [الزمر: 75] .
وكافتتاح سورة فاطر بالحمد لله، فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مََا يَشْتَهُونَ كَمََا فُعِلَ بِأَشْيََاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سبأ: 54] ، كما قال تعالى: {فَقُطِعَ دََابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ (45) } [الأنعام: 45] .
وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح، فإنه مناسب لختام سورة الواقعة بالأمر به.
وكافتتاح سورة البقرة بقوله: {الم (1) ذََلِكَ الْكِتََابُ} ، فإنّه إشارة إلى الصراط في قوله: {اهْدِنَا الصِّرََاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } كأنهم لمّا سألوا الهداية إلى الصراط، قيل لهم:
ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب، وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة [2] .
ومن لطائف سورة الكوثر [3] : أنها كالمقابلة للّتي قبلها لأنّ السابقة وصف الله فيها المنافق بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر فيها في مقابلة البخل: {إِنََّا أَعْطَيْنََاكَ الْكَوْثَرَ (1) } أي: الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة:
{فَصَلِّ} أي: دم عليها، وفي مقابلة الرّياء: {لِرَبِّكَ} أي: لرضاه لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون: {وَانْحَرْ} وأراد به التصدّق بلحم الأضاحي.
وقال بعضهم: لترتيب وضع السّور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفيّ صادر عن حكيم:
أحدها: بحسب الحروف، كما في الحواميم.
الثاني: لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها، كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة.
الثالث: للتوازن في اللفظ، كآخر {تَبَّتْ} وأول (الإخلاص) .
الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى كالضحى و {أَلَمْ نَشْرَحْ} .
(1) هو الزركشي انظر البرهان 1/ 38.
(2) انظر البرهان 1/ 38.
(3) انظر البرهان 1/ 39.