وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج، واللفظ المنثور.
ثمّ يتحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشدّ الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيّد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر! وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه، ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه! انتهى.
فصل [1]
وجوه إعجاز القرآن
لمّا ثبت كون القرآن معجزة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز، وقد خاض الناس في ذلك كثيرا، فبين محسن ومسيء.
فزعم قوم: أنّ التّحدّي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأنّ العرب كلّفت في ذلك ما لا يطاق، وبه وقع عجزها. وهو مردود، لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصوّر التحدي به.
والصواب ما قاله الجمهور: أنّه وقع بالدّالّ على القديم وهو الألفاظ [2] .
ثم زعم النظّام أنّ إعجازه بالصّرفة [3] ، أي: أنّ الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجيّ، فصار كسائر المعجزات.
وهذا قول فاسد، بدليل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} [الإسراء: 88] الآية، فإنه يدلّ على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أنّ الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز! بل
(1) انظر البرهان 2/ 93.
(2) القرآن الكريم هو كلام الله تعالى. لا حكاية ولا دلالة ولا غير ذلك من الأقوال. وقد سبق نقل كلام الإمام الطبري في هذا.
(3) انظر إثبات نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم ص 5750، والجواب الصحيح 4/ 7775، والبرهان 1/ 9493، والمناهل 2/ 316310، وتفسير الماوردي 1/ 33.