فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 626

و {الرَّحْمََنِ} فإنّه أبلغ من {الرَّحِيمِ} فإنّه يشعر باللطف والرفق، كما أنّ (الرحمن) مشعر بالفخامة والعظمة.

ومنه الفرق بين سقى وأسقى، فإنّ (سقى) لما لا كلفة معه في السقيا، ولهذا أورده تعالى في شراب الجنة فقال: {وَسَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] و (أسقى) لما فيه كلفة، ولهذا أورده في شراب الدنيا، فقال: {وَأَسْقَيْنََاكُمْ مََاءً فُرََاتًا} [المرسلات: 27] ، {لَأَسْقَيْنََاهُمْ مََاءً غَدَقًا} [الجن: 16] ، لأنّ السقيا في الدنيا لا تخلوا من الكلفة أبدا.

الاستدراك والاستثناء: شرط كونهما من البديع أن يتضمّنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدلّ عليه المعنى اللغوي.

مثال الاستدراك: {قََالَتِ الْأَعْرََابُ آمَنََّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا} [الحجرات: 14] فإنّه لو اقتصر على قوله: {لَمْ تُؤْمِنُوا} لكان منفّرا لهم لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك، ليعلم أنّ الإيمان موافقة القلب واللسان، وإن انفرد اللسان بذلك يسمّى إسلاما، لا يسمّى إيمانا. وزاد ذلك إيضاحا بقوله: {وَلَمََّا يَدْخُلِ الْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] فلمّا تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن.

ومثال الاستثناء: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلََّا خَمْسِينَ عََامًا} [العنكبوت: 14] فإنّ الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهّد عذر نوح في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل: (فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما) لم يكن فيه من التهويل ما في الأوّل لأنّ لفظ (الألف) في الأول أول ما يطرق السمع، فيتشغل بها عن سماع بقيّة الكلام، وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدّمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف.

الاقتصاص: ذكره ابن فارس، وهو: أن يكون كلام في سورة مقتصا من كلام في سورة أخرى أو في تلك السورة. كقوله تعالى: {وَآتَيْنََاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيََا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصََّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] والآخرة دار ثواب لا عمل فيها. فهذا مقتصّ من قوله:

{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصََّالِحََاتِ فَأُولََئِكَ لَهُمُ الدَّرَجََاتُ الْعُلى ََ (75) } [طه: 75] .

ومنه: {وَلَوْلََا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) } [الصافات: 57] ، مأخوذ من قوله:

{أُولََئِكَ فِي الْعَذََابِ مُحْضَرُونَ} [سبأ: 38] .

وقوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهََادُ} [غافر: 51] مقتصّ من أربع آيات: لأنّ الأشهاد أربعة:

الملائكة في قوله: {وَجََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) } [ق: 21] ، والأنبياء في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت