الأول: أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضا، بأن يقرب الغريب بمثله والمتداول
بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة.
والثاني: أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد فإن كان فخما كانت ألفاظه فخمة، أو جزلا فجزلة، أو غريبا فغريبة، أو متداولا فمتداولة، أو متوسطا بين الغرابة والاستعمال فكذلك.
فالأول: كقوله تعالى: {تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتََّى تَكُونَ حَرَضًا}
[يوسف: 85] أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي (التاء) فإنّها أقلّ استعمالا، وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو. وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار فإنّ (تزال) أقرب إلى الأفهام وأكثر استعمالا منها، وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو (الحرض) فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاوز كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة، توخّيا لحسن الجوار، ورعاية في ائتلاف المعاني بالألفاظ. ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم، ولمّا أراد غير ذلك قال: {وَأَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ} [الأنعام: 109] فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها.
ومن الثاني قوله تعالى: {وَلََا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النََّارُ} [هود: 113] لمّا كان الركون إلى الظالم وهو الميل إليه والاعتماد عليه دون مشاركته في الظلم، وجب أن يكون العقاب عليه دون العقاب على الظلم، فأتى بلفظ (المسّ) الذي هو دون الإحراق والاصطلاء.
وقوله: {لَهََا مََا كَسَبَتْ وَعَلَيْهََا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنََا} [البقرة: 286] أتى بلفظ (الاكتساب) المشعر بالكلفة والمبالغة في جانب السّيئة لثقلها.
وكذا قوله: {فَكُبْكِبُوا فِيهََا} [الشعراء: 94] فهو أبلغ من (كبّوا) للإشارة إلى أنّهم يكبّون كبّا عنيفا فظيعا.
{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ} [فاطر: 37] فإنّه أبلغ من (يصرخون) للإشارة إلى أنهم يصرخون صراخا منكرا خارجا عن الحدّ المعتاد.
{أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42] فإنّه أبلغ من (قادر) للإشارة إلى زيادة التمكّن في القدرة، وأنه لا رادّ له ولا معقّب.
ومثل ذلك {وَاصْطَبِرْ} [مريم: 65] فإنّه أبلغ من (اصبر) .
و {الرَّحْمََنِ} فإنّه أبلغ من {الرَّحِيمِ} فإنّه يشعر باللطف والرفق، كما أنّ (الرحمن) مشعر بالفخامة والعظمة.
ومنه الفرق بين سقى وأسقى، فإنّ (سقى) لما لا كلفة معه في السقيا، ولهذا أورده تعالى في شراب الجنة فقال: {وَسَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] و (أسقى) لما فيه كلفة، ولهذا أورده في شراب الدنيا، فقال: {وَأَسْقَيْنََاكُمْ مََاءً فُرََاتًا} [المرسلات: 27] ، {لَأَسْقَيْنََاهُمْ مََاءً غَدَقًا} [الجن: 16] ، لأنّ السقيا في الدنيا لا تخلوا من الكلفة أبدا.