ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ: الرحمة والغضب والرضا والحبّ والمقت في أوصاف الله تعالى، مع أنه لا يوصف بها حقيقة لأنّه لو عبّر عن ذلك بألفاظ الحقيقة
لطال الكلام، كأن يقال: يعامله معاملة المحبّ والماقت. فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفته واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ، فإن قوله: {فَلَمََّا آسَفُونََا انْتَقَمْنََا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] أحسن من: (فلما عاملونا معاملة المغضب) أو: (فلما أتوا إلينا بما يأتيه المغضب) [1] . انتهى.
التاسع:
هل يمكن المعارضة في السور القصار
قال الرّمانيّ: فإن قال قائل: فلعلّ السور القصار يمكن فيها المعارضة؟
قيل: لا يجوز فيها ذلك من قبل أنّ التحدّي قد وقع بها، فظهر العجز عنها في قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} [يونس: 38] فلم يخصّ بذلك الطوال دون القصار.
فإن قال: فإنه يمكن في القصار أن تغيّر الفواصل، فيجعل بدل كلّ كلمة ما يقوم مقامها، فهل يكون ذلك معارضة؟
قيل له: لا، من قبل أن المفحم يمكنه أن ينشئ بيتا واحدا، ولا يفصل بطبعه بين مكسور وموزون، فلو أنّ مفحما رام أن يجعل بدل قوافي قصيدة رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مشتبه الأعلام لمّا الخفق
بكلّ وفد الريح من حيث انخرق فجعل بدل المخترق (الممزّق) ، وبدل الخفق (الشفق) ، وبدل انخرق (انطلق) لأمكنه ذلك، ولم يثبت له به قول الشعر، ولا معارضة رؤبة في هذه القصيدة عند أحد له أدنى معرفة، فكذلك سبيل من غيّر الفواصل.
(1) الرحمة والغضب والرضا والحب والمقت صفات ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.