فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 626

في كلامه شيء موزون شاعرا، فكان الناس كلهم شعراء لأنه قلّ أن يخلو كلام أحد عن ذلك، وقد ورد ذلك على ألسنة الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه لأنهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام.

وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمّى شعرا، وأقلّ الشعر بيتان فصاعدا.

وقيل: الرّجز لا يسمّى شعرا أصلا.

وقيل: أقلّ ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال.

الخامس: قال بعضهم: التحدّي إنّما وقع للإنس دون الجن[1]

لأنّهم ليسوا من أهل اللسان العربيّ الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في قوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} [الإسراء: 88] تعظيما لإعجازه لأنّ للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس للأفراد، فإذا فرض اجتماع الثّقلين فيه، وظاهر بعضهم بعضا، وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز.

وقال غيره: بل وقع للجنّ أيضا، والملائكة منويّون في الآية لأنهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل القرآن.

قال الكرمانيّ في غرائب التفسير: إنما اقتصر في الآية على ذكر الإنس والجنّ لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان مبعوثا إلى الثّقلين دون الملائكة.

السادس:

معنى قوله تعالى وَلَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللََّهِ

سئل الغزاليّ عن معنى قوله تعالى: {وَلَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلََافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .

فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي: لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف الدعوى: أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا.

وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه.

وكلام الله منزّه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوّله

(1) انظر البرهان 2/ 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت