فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 626

على المشبّه إلّا بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به. فكان استعمالها فيما وضعت له، فيكون حقيقة لغويّة، ليس فيها غير نقل الاسم وحده، وليس نقل الاسم المجرّد استعارة لأنّه لا بلاغة فيه، بدليل الأعلام المنقولة، فلم يبق إلّا أن يكون مجازا عقليا.

وقال بعضهم [1] : حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها. وحكمة ذلك: إظهار الخفيّ، وإيضاح الظاهر الذي ليس بجليّ، أو حصول المبالغة، أو المجموع.

مثال إظهار الخفيّ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتََابِ} [الزخرف: 4] فإنّ حقيقته: (وإنّه في أصل الكتاب) فاستعير لفظ الأمّ للأصل لأنّ الأولاد تنشأ من الأمّ كما تنشأ الفروع من الأصول. وحكمة ذلك: تمثيل ما ليس بمرئيّ حتى يصير مرئيّا، فينتقل السامع من حدّ السّماع إلى حدّ العيان، وذلك أبلغ في البيان.

ومثال إيضاح ما ليس بجليّ ليصير جليا: {وَاخْفِضْ لَهُمََا جَنََاحَ الذُّلِّ} [الإسراء: 24] فإنّ المراد أمر الولد بالذلّ لوالديه رحمة، فاستعير للذلّ أوّلا (جانب) . ثم للجانب جناح، وتقدير الاستعارة القريبة: (واخفض لهما جانب الذل) أي: اخفض جانبك ذلا.

وحكمة الاستعارة في هذا: جعل ما ليس بمرئيّ مرئيا، لأجل حسن البيان. ولمّا كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة ممكنا [2] احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب لأنّ من يميل جانبه إلى جهة السّفل أدنى ميل، صدق عليه أنه خفض جانبه، والمراد خفض يلصق الجانب بالأرض، ولا يحصل ذلك إلّا بذكر الجناح كالطّائر.

ومثال المبالغة: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} [القمر: 12] وحقيقته: (وفجّرنا عيون الأرض) ، ولو عبّر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأوّل، المشعر بأنّ الأرض كلّها صارت عيونا.

فرع: أركان الاستعارة ثلاثة [3] :

(1) البرهان 3/ 433.

(2) في البرهان 3/ 433: مركبا.

(3) انظر البرهان 3/ 435، والإكسير ص 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت