وقد سئل عن الحكمة في عكس هذا اللفظ، فأجاب ابن المنير: بأنّ فائدته الإشارة إلى أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب: الحقّ أنّ كلّ واحد من فعل المؤمنة والكافر منفيّ عنه الحلّ، أما فعل المؤمنة فيحرم لأنّها مخاطبة، وأمّا فعل الكافر فنفي عنه الحلّ باعتبار أنّ هذا الوطء مشتمل على المفسدة، فليس الكفار مورد الخطاب، بل الأئمة ومن قام مقامهم مخاطبون بمنع ذلك لأنّ الشرع أمر بإخلاء الوجود من المفاسد، فاتّضح أنّ المؤمنة نفي عنها الحلّ باعتبار، والكافر نفي عنه الحلّ باعتبار.
قال ابن أبي الإصبع: ومن غريب أسلوب هذا النوع قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّالِحََاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ََ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلََا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 124، 125] فإنّ نظم الآية الثانية عكس نظم الأولى، لتقديم العمل في الأولى على الإيمان، وتأخيره في الثانية عن الإسلام.
ومنه نوع يسمى القلب والمقلوب المستوي، وما لا يستحيل بالانعكاس، وهو أن تقرأ الكلمة من آخرها إلى أولها، كما تقرأ من أولها إلى آخرها. كقوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} [الأنبياء: 33] ، {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) } [المدثر: 3] ، ولا ثالث لهما في القرآن.
العنوان: قال ابن أبي الإصبع: هو أن يأخذ المتكلم في غرض، فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدّمة، وقصص سالفة.
ومنه نوع عظيم جدا، وهو: عنوان العلوم، بأن يذكر في الكلام ألفاظا تكون مفاتيح لعلوم ومداخل لها.
فمن الأول قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا}
[الأعراف: 175] ، فإنّه عنوان قصة بلعام.
ومن الثاني قوله تعالى: {انْطَلِقُوا إِلى ََ ظِلٍّ ذِي ثَلََاثِ شُعَبٍ (30) } [المرسلات: 30] الآية فيها عنوان علم الهندسة، فإنّ الشكل المثلّث أول الأشكال، وإذا نصب في الشمس على أيّ ضلع من أضلاعه لا يكون له ظلّ، لتحديد رءوس زواياه فأمر الله تعالى أهل جهنّم بالانطلاق إلى ظلّ هذا الشكل تهكّما بهم.
وقوله: {وَكَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 75] الآيات