فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 626

وأجاب: بأنّ جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون

الخالية، إنما هو معرب عن معانيهم، وليس بحقيقة ألفاظهم، وهذا لا يشك في أن قوله تعالى: {قََالُوا إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ يُرِيدََانِ أَنْ يُخْرِجََاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمََا وَيَذْهَبََا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ََ (63) } [طه: 63] أنّ هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.

الثامن:

استعمال أنسب معاني الألفاظ وأفصحها

قال البارزيّ في أول كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل» : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض وكذلك كلّ واحد من جزأي الجملة قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بدّ من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح، ولذلك أمثلة:

منها: قوله تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دََانٍ} [الرحمن: 54] ، لو قال مكانه: (وثمر الجنتين قريب) لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجنى والجنتين، ومن جهة أنّ الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل.

ومنها: قوله تعالى: {وَمََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ} [العنكبوت: 48] . أحسن من التعبير ب (تقرأ) لثقله بالهمزة.

ومنها: {لََا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] أحسن من (لا شك فيه) . لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب.

ومنها: {وَلََا تَهِنُوا} [آل عمران: 139] أحسن من (ولا تضعفوا) لخفته. و {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] أحسن من (ضعف) لأنّ الفتحة أخف من الضمّة.

ومنها: {آمَنَ} [البقرة: 62] أخفّ من (صدّق) ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق. و {آثَرَكَ اللََّهُ} [يوسف: 91] أخفّ من (فضّلك) ، و {وَآتَى} [البقرة: 177] أخف من (أعطى) . و {أَنْذَرَ} [الأحقاف: 21] أخفّ من (خوّف) . و {خَيْرٌ لَكُمْ}

[البقرة: 184] أخفّ من (أفضل لكم) ، والمصدر في نحو: {هََذََا خَلْقُ اللََّهِ} [لقمان: 11] .

{يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] أخف من (مخلوق) و (الغائب) . و {تَنْكِحَ} [البقرة: 230] أخف من (تتزوج) لأنّ (تفعل) أخفّ من (تفعّل) ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.

ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ: الرحمة والغضب والرضا والحبّ والمقت في أوصاف الله تعالى، مع أنه لا يوصف بها حقيقة لأنّه لو عبّر عن ذلك بألفاظ الحقيقة

لطال الكلام، كأن يقال: يعامله معاملة المحبّ والماقت. فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفته واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ، فإن قوله: {فَلَمََّا آسَفُونََا انْتَقَمْنََا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] أحسن من: (فلما عاملونا معاملة المغضب) أو: (فلما أتوا إلينا بما يأتيه المغضب) (1) . انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت