فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 626

الثالث: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة[1]

بعد اتفاقهم على أنه في أعلى مراتب البلاغة، بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشدّ تناسبا ولا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى منه.

فاختار القاضي [2] المنع، وأن كلّ كلمة فيه موصوفة بالذّروة العليا وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض.

واختار أبو نصر القشيريّ [3] وغيره التفاوت، فقال: لا ندّعي أنّ كل ما في القرآن أرفع الدرجات في الفصاحة، وكذا قال غيره: في القرآن الأفصح والفصيح.

وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم أورد سؤالا، وهو أنه: لم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح؟ وأجاب عنه الصّدر موهوب الجزريّ بما حاصله: أنه لو جاء القرآن على ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتمّ الحجة في الإعجاز، فجاء على نمط كلامهم المعتاد، ليتمّ ظهور العجز عن معارضته، ولا يقولوا مثلا: أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه كما لا يصحّ من البصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري لأنه يقول له: إنما تتمّ لك الغلبة لو كنت قادرا على النظر، وكان نظرك أقوى من نظري، فأمّا إذ فقد أصل النظر، فكيف يصح مني المعارضة؟

الرابع:

الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون

قيل: الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون [4] مع أنّ الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره أنّ القرآن منبع الحق، ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخيل بتصوّر الباطل في صورة الحق، والإفراط في الإطراء، والمبالغة في الذمّ والإيذاء، دون إظهار الحقّ وإثبات الصدق، ولهذا نزّه الله نبيّه عنه، ولأجل شهرة الشعر بالكذب، سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعريّة. وقال بعض الحكماء: لم ير متديّن صادق اللهجة، مفلقا في شعره.

وأما ما وجد في القرآن ممّا صورته الموزون، فالجواب عنه:

أنّ ذلك لا يسمّى شعرا لأن شرط الشعر القصد ولو كان شعرا لكان كلّ م اتّفق له

(1) انظر البرهان 2/ 121.

(2) في كتاب الإعجاز ص 6554، وانظر البرهان 2/ 121.

(3) نقله في البرهان 2/ 121، والقرطبي في تفسيره 5/ 4.

(4) انظر البرهان 2/ 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت