وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه «لطائف المنن» : اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني العربيّة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلّت عليه في عرف اللسان، وثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه وقد جاء في الحديث: «لكل آية ظهر وبطن» [1] . فلا يصدّنك عن تلقّي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلّا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرءون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم.
فصل [2]
قال العلماء: يجب على المفسّر أن يتحرّى في التفسير مطابقة المفسّر،
وأن يتحرّز في ذلك من نقص عمّا يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسّر فيه زيغ عن المعنى، وعدول عن طريقه.
وعليه بمراعاة المعنى الحقيقيّ والمجازيّ ومراعاة التأليف، والغرض الذي سيق له الكلام، وأن يواخي بين المفردات.
ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظيّة [3] ، وأوّل ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة، فيتكلّم عليها من جهة اللّغة، ثم التصريف، ثم الاشتقاق، ثم يتكلّم عليها بحسب التركيب: فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بالمعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبيّن المعنى المراد، ثم الاستنباط، ثم الإشارات.
وقال الزركشيّ في أوائل البرهان [4] : قد جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول، ووقع البحث في أنه: أيّما أولى البداءة به: بتقدّم السبب على المسبب، أو بالمناسبة لأنها المصحّحة لنظم الكلام، وهي سابقة على النزول.
قال: والتحقيق التّفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول، كآية:
{إِنَّ اللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمََانََاتِ إِلى ََ أَهْلِهََا} [النساء: 58] . فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر
(1) سبق تخريجه.
(2) انظر هذا الفصل في البرهان 2/ 177176.
(3) انظر البرهان 2/ 173.
(4) البرهان 1/ 34.