هما من أنواع البلاغة وأساليب الفصاحة، وقد تقدّم أنّ الكناية أبلغ من التصريح.
وعرّفها أهل البيان بأنّها: لفظ أريد به لازم معناه.
وقال الطيبي: ترك التصريح بالشيء إلى ما يساويه في اللزوم، فينتقل منه إلى الملزوم.
وأنكر وقوعها في القرآن من أنكر المجاز فيه بناء على أنها مجاز، وقد تقدّم الخلاف في ذلك.
وللكناية أسباب [2] :
أحدها: التنبيه على عظم القدرة: نحو: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ}
[الأعراف: 189] كناية عن آدم.
ثانيها: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل: نحو: {إِنَّ هََذََا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وََاحِدَةٌ} [ص: 23] فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك لأنّ ترك التصريح بذكر النساء أجمل منه لهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلّا مريم.
قال السهيليّ: وإنما ذكرت مريم باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة، وهو: أنّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ، ولا يبتذلون أسماءهنّ، بل يكنّون عن الزوجة بالفرش والعيال ونحو ذلك فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهنّ، ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذكر، فلمّا قالت النصارى في مريم ما قالوا، صرّح الله باسمها ولم يكن إلّا تأكيدا للعبوديّة التي هي صفة لها، وتأكيدا لأنّ عيسى لا أب له وإلّا لنسب إليه.
ثالثها: أن يكون التصريح مما يستقبح ذكره، ككناية الله عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرّفث والدخول، والسّر في قوله: {وَلََكِنْ لََا تُوََاعِدُوهُنَّ سِرًّا}
(1) انظر البرهان 2/ 300، والإكسير ص 118، والإيضاح ص 337، والإيجاز ص 270، و «القرآن والصورة البيانية» ص 165.
(2) انظر البرهان 2/ 309301.