وكذا قوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] . حقيقة ذلك: (جلست) ، فعدل عن اللفظ الخاصّ بالمعنى إلى مرادفه، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ (الجلوس) .
وكذا: {فِيهِنَّ قََاصِرََاتُ الطَّرْفِ} [الرحمن: 56] . الأصل (عفيفات) وعدل عنه للدلالة على أنّهنّ مع العفة لا تطمح أعينهنّ إلى غير أزواجهنّ ولا يشتهين غيرهم. ولا يؤخذ ذلك من لفظ العفّة.
قال بعضهم: والفرق بين الكناية والإرداف، أنّ: الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، والإرداف من مذكور إلى متروك.
ومنه أمثلته أيضا: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسََاؤُا بِمََا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}
[النجم: 31] . عدل في الجملة الأولى عن قوله (بالسوأى) مع أن فيه مطابقة للجملة الثانية إلى: {بِمََا عَمِلُوا} تأدّبا أن يضاف السّوء إلى الله تعالى.
للنّاس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة:
فقال الزمخشريّ: الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض: أن تذكر شيئا تدلّ به على شيء لم تذكره.
وقال ابن الأثير: الكناية: ما دلّ على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، بوصف جامع بينهما. والتّعريض: اللفظ الدالّ على معنى لا من جهة الوضع الحقيقيّ أو المجازيّ، كقول من يتوقّع صلة: والله إنّي محتاج فإنّه تعريض بالطلب، مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم من عرض اللفظ، أي: جانبه.
وقال السّبكيّ في كتاب «الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض» : الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى، فهي بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة، والتجوّز في إرادة إفادة ما لم يوضع له. وقد لا يراد منها المعنى، بل يعبّر بالملزوم عن اللازم، وهي حينئذ مجاز، ومن أمثلته: {قُلْ نََارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [التوبة: 81] فإنه لم يقصد إفادة ذلك لأنه معلوم، بل إفادة لازمه، وهو: أنهم يردونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا.
وأمّا التعريض: فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره، نحو: قََالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ هََذََا [النساء: 63] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة، كأنه غضب أن تعبد الصغار معه، تلويحا لعابدها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزا، فهو حقيقة أبدا.