خامسها: قصد الاختصار، كالكناية عن ألفاظ متعدّدة بلفظ (فعل) . نحو: {لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] . {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] أي: فإن لم تأتوا بسورة من مثله.
سادسها: التنبيه على مصيره، نحو: {تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] أي: جهنّميّ مصيره إلى اللهب، {حَمََّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهََا حَبْلٌ} [المسد: 4، 5] أي: نمّامة، مصيرها إلى أن تكون حطبا لجهنم، في جيدها غلّ.
قال بدر الدين بن مالك في «المصباح» : إنّما يعدل عن التصريح إلى الكناية لنكتة، كالإيضاح، أو بيان حال الموصوف، أو مقدار حاله، أو القصد إلى المدح أو الذمّ أو الاختصار، أو السّتر، أو الصيانة، أو التعمية والإلغاز، أو التعبير عن الصعب بالسهل، أو عن المعنى القبيح باللفظ الحسن.
واستنبط الزمخشري [1] نوعا من الكناية غريبا، وهو: أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر، فتأخذ الخلاصة، من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز، فتعبّر بها عن المقصود، كما تقول في نحو: {الرَّحْمََنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ََ} [طه: 5] : إنّه كناية عن الملك، فإنّ الاستواء على السرير لا يحصل إلّا مع الملك، فجعل كناية عنه. وكذا قوله:
{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ وَالسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] . كناية عن عظمته وجلالته، من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين: حقيقة ومجاز.
تذنيب: من أنواع البديع التي تشبه الكناية الإرداف وهو أن يريد المتكلم معنى، ولا يعبّر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بدلالة الإشارة، بل بلفظ يرادفه، كقوله تعالى:
{وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [هود: 44] . والأصل: (وهلك من قضى الله هلاكه، ونجا من قضى الله نجاته) . وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز، والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يردّ قضاؤه، والأمر يستلزم آمرا، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره، وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاصّ.
(1) الكشاف 2/ 530. قال الزركشي في البرهان 2/ 309: «وقد اعترض الإمام فخر الدين على ذلك بأنها تفتح باب تأويلات الباطنية، فلهم أن يقولوا: المراد من قوله: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] : الاستغراق في الخدمة من غير الذهاب إلى نعل وخلعه، وكذا نظائره. انتهى» اهـ.
قلت: وقد فتح أيضا باب التأويل على مصراعيه حيث أوّل هؤلاء أكثر صفات الله تعالى، ونفوا هذه الصفات وعطلوها. فخالفوا ما عليه أئمة السلف في الاعتقاد. انظر مجموعة: «اعتقاد أئمة السلف» بتحقيقنا لترى ما عليه هؤلاء الأئمة من الاعتقاد. والله الموفق.