وأمّا التعريض: فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره، نحو: قََالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ هََذََا [النساء: 63] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة، كأنه غضب أن تعبد الصغار معه، تلويحا لعابدها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزا، فهو حقيقة أبدا.
وقال السكاكيّ: التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور، ومنه: أن يخاطب واحد ويراد غيره، وسمّي به لأنه أميل الكلام إلى جانب مشارا به إلى آخر، يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي جانبه.
قال الطّيبيّ: وذلك يفعل إمّا لتنويه جانب الموصوف، ومنه: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجََاتٍ}
[البقرة: 253] أي: محمدا صلّى الله عليه وسلّم، إعلاء لقدره، أي أنه العلم الذي لا يشتبه.
وإمّا لتلطّف به واحتراز عن المخاشنة، نحو: {وَمََا لِيَ لََا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي}
[يس: 22] أي: وما لكم لا تعبدون؟ بدليل قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] . وكذا قوله:
{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [يس: 23] . ووجه حسنه إسماع من يقصد خطابه الحقّ على وجه يمنع غضبه، إذ لم يصرح بنسبته للباطل، والإعانة على قبوله إذ لم يرد له إلّا ما أراده لنفسه.
وإمّا لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، ومنه: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}
[الزمر: 65] خوطب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأريد غيره، لاستحالة الشرك عليه شرعا.
وإمّا للذم، نحو: {إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبََابِ} [الرعد: 19] فإنّه تعريض بذمّ الكفار، وأنهم في حكم البهائم الذين لا يتذكّرون.
وإمّا للإهانة والتوبيخ، نحو: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9] .
وقال السبكيّ: التعريض قسمان:
قسم يراد به معناه الحقيقي، ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود، كما تقدّم.
وقسم لا يراد بل يضرب مثلا للمعنى الذي هو مقصود التعريض، كقول إبراهيم:
{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا} [الأنبياء: 63] . [1]
(1) انظر البرهان 2/ 311.