عليهم كيف وقد أخرج الحاكم، عن ابن عباس، قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقرأ عليه القرآن، فكأنّه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه فإنّك أتيت محمدا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أنّي من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له. قال: وماذا أقول! فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر منّي، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، وو الله إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطّم ما تحته.
قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: دعني حتى أفكّر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره [1] .
قال الجاحظ: بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة، وأشدّ ما كانت عدّة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة، فلما قطع العذر، وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهووى والحمية، دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة.
فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها تكشّف من نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجّة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلّفه، ولو تكلّفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكايد فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض.
فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه، وخطباء أمّته، لأنّ سورة واحدة وآيات يسير كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال.
(1) رواه الحاكم في المستدرك 2/ 2506، والواحدي في أسباب النزول ص 447446، والبيهقي في الدلائل 2/ 199198. وسنده صحيح.