فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 626

كلّ من جاء بعد الأول مستمرّا.

قال في فتح الباري [1] : ويمكن نظم القولين في كلام واحد فإنّ محصلهما لا ينافي بعضه بعضا.

ولا خلاف بين العقلاء: أنّ كتاب الله تعالى معجز، لم يقدر واحد على معارضته بعد تحدّيهم بذلك، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجََارَكَ فَأَجِرْهُ حَتََّى يَسْمَعَ كَلََامَ اللََّهِ}

[التوبة: 6] فلولا أنّ سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلّا وهو معجزة.

وقال تعالى: {وَقََالُوا لَوْلََا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيََاتُ عِنْدَ اللََّهِ وَإِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ الْكِتََابَ يُتْلى ََ عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 50، 51] فأخبر أنّ الكتاب آية من آياته، كاف في الدلالة، قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء، ولمّا جاء به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء، ومصاقع الخطباء، وتحدّاهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا، كما قال تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كََانُوا صََادِقِينَ (34) } [يونس: 38] ، ثم تحدّاهم بعشر سور منه في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيََاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمََا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللََّهِ} [هود: 13، 14] ، ثم تحدّاهم بسورة في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] الآية.

ثم كرّر في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:

23]الآية، فلمّا عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لََا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) } [الإسراء: 88] . هذا وهم الفصحاء اللّدّ، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجّة. ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدّث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى العناد تارة، وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: (سحر) وتارة قالوا: (شعر) وتارة قالوا: (أساطير الأولين) . كلّ ذلك من التحيّر والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشدّه حميّة، فلو علموا أنّ الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه لأنه كان أهون

(1) فتح الباري 9/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت