وقيل: إنّ السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ، والمنفيّ سؤال المعذرة وبيان الحجة.
وكقوله: {اتَّقُوا اللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ} [آل عمران: 102] . مع قوله: {فَاتَّقُوا اللََّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}
[التغابن: 16] . حمل الشيخ أبو الحسن الشاذليّ [1] الآية الأولى على التوحيد، بدليل قوله بعدها: {وَلََا تَمُوتُنَّ إِلََّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] . والثانية على الأعمال. وقيل: بل الثانية ناسخة للأولى.
وكقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّا تَعْدِلُوا فَوََاحِدَةً} [النساء: 3] ، مع قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسََاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] ، فالأولى تفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه.
والجواب: أنّ الأولى في توفية الحقوق، والثانية في الميل القلبيّ، وليس في قدرة الإنسان.
وكقوله: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ} [الأعراف: 28] . مع قوله: {أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا فَفَسَقُوا فِيهََا} [الإسراء: 16] ، فالأولى في الأمر الشرعيّ، والثانية في الأمر الكونيّ بمعنى القضاء والتقدير.
الثالث: لاختلافهما في جهتي الفعل، كقوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلََكِنَّ اللََّهَ قَتَلَهُمْ وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] : أضيف القتل إليهم، والرمي إليه صلّى الله عليه وسلم على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.
الرابع: لاختلافهما في الحقيقة والمجاز، كقوله: {وَتَرَى النََّاسَ سُكََارى ََ وَمََا هُمْ بِسُكََارى ََ} [الحج: 2] . أي: سكارى من الأهوال مجازا، لا من الشراب حقيقة.
الخامس: بوجهين واعتبارين، كقوله {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] ، مع قوله:
{خََاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] ، قال قطرب: (فبصرك) أي:
علمك ومعرفتك بها قوية، من قولهم: بصر بكذا: أي: علم، وليس المراد رؤية العين.
قال الفارسيّ: ويدلّ على ذلك قوله: {فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ} [ق: 22] .
وكقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللََّهِ} [الرعد: 28] ، مع قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] ، فقد يظنّ أنّ الوجل خلاف الطمأنينة.
(1) نقله في البرهان 2/ 57.