وجوابه: أنّ الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما في قوله:
{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ََ ذِكْرِ اللََّهِ} [الزمر: 23] .
ومما استشكلوه [1] : قوله تعالى: {وَمََا مَنَعَ النََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جََاءَهُمُ الْهُدى ََ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلََّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذََابُ قُبُلًا (55) } [الكهف: 55] ، فإنّه يدلّ على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين.
وقال في آية أخرى: {وَمََا مَنَعَ النََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جََاءَهُمُ الْهُدى ََ إِلََّا أَنْ قََالُوا أَبَعَثَ اللََّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) } [الإسراء: 94] ، فهذا حصر آخر في غيرهما.
وأجاب ابن عبد السلام [2] : بأن معنى الآية الأولى: وما منع الناس أن يؤمنوا إلّا إرادة أن تأتيهم سنّة الأوّلين من الخسف أو غيره، أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة. فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين، ولا شكّ أنّ إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد.
فهذا حصر في السبب الحقيقيّ، لأن الله هو المانع في الحقيقة.
ومعنى الآية الثانية: وما منع النّاس أن يؤمنوا إلّا استغراب بعثه بشرا رسولا، لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك وهو يدلّ على الاستغراب بالالتزام وهو المناسب للمانعية، واستغرابهم ليس مانعا حقيقيّا بل عاديا لجواز وجود الإيمان معه، بخلاف إرادة الله تعالى. فهذا حصر في المانع العاديّ والأول حصر في المانع الحقيقيّ، فلا تنافي أيضا.
ومما استشكل أيضا: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ََ عَلَى اللََّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21] ، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللََّهِ} [الزمر: 32] ، مع قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيََاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهََا وَنَسِيَ مََا قَدَّمَتْ يَدََاهُ} [الكهف: 57] ، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اللََّهِ}
[البقرة: 114] ، إلى غير ذلك من الآيات.
ووجهه: أن المراد بالاستفهام هنا النفي، والمعنى: لا أحد أظلم، فيكون خبرا، وإذا كان خبرا وأخذت الآيات على ظواهرها أدّى إلى التناقض. وأجيب بأوجه:
منها: تخصيص كلّ موضع بمعنى صلته: أي لا أحد من المعاندين أظلم ممّن منع
(1) انظر البرهان 2/ 65.
(2) في كتابه الفوائد في مشكل القرآن ص 113112.