مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممّن افترى على الله كذبا، وإذا تخصّص بالصّلات زال التناقض.
ومنها: أن التخصيص بالنسبة إلى السّبق: لمّا لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممّن جاء بعدهم سالكا طريقهم وهذا يؤول معناه إلى ما قبله لأن المراد السبق إلى المانعيّة والافترائية.
ومنها وادّعى أبو حيان أنّه الصواب: أن نفي الأظلميّة لا يستدعي نفي الظالمية لأن نفي المقيّد لا يدلّ على نفي المطلق، وإذا لم يدلّ على نفي الظالمية لم يلزم التناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلميّة، وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممّن وصف بذلك يزيد على الآخر: لأنّهم يتساوون في الأظلميّة. وصار المعنى: لا أحد أظلم ممّن افترى وممّن منع ونحوها، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدلّ على أنّ أحد هؤلاء أظلم من الآخر، كما إذا قلت: لا أحد أفقه منهم. انتهى.
وحاصل الجواب أنّ نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة.
وقال بعض المتأخّرين: هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع، من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة، ولا نفيها عن غيره.
وقال الخطّابي [1] : سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج، قال:
سأل رجل بعض العلماء عن قوله: {لََا أُقْسِمُ بِهََذَا الْبَلَدِ (1) } [البلد: 1] فأخبر أنّه لا يقسم به. ثم أقسم به في قوله: {وَهََذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) } [التين: 3] ؟ فقال: أيّما أحبّ إليك؟
أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال: اقطعني ثم أجبني. فقال له: اعلم أنّ هذا القرآن نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحضرة رجال، وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا، لو كان هذا عندهم مناقضة لتعلّقوا به، وأسرعوا بالرّدّ عليه ولكنّ القوم علموا وجهلت، ولم ينكروا منه ما أنكرت، ثم قال له: إنّ العرب قد تدخل (لا) في أثناء كلامها وتلغي معناها، وأنشد فيه أبياتا.
تنبيه: قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني [2] : إذا تعارضت الآي وتعذّر فيها الترتيب والجمع، طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخّر، ويكون ذلك نسخا. وإن لم يعلم، وكان
(1) انظر البرهان 2/ 46.
(2) نقله في البرهان 2/ 48.