بنوّة المسيح، ثم استطرد للرّد على العرب الزاعمين بنوّة الملائكة.
ويقرب من الاستطراد حتى لا يكادان يفترقان حسن التخلّص، وهو: أن ينتقل ممّا ابتدئ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسا، دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلّا وقد وقع عليه الثاني، لشدّة الالتئام بينهما.
وقد غلط أبو العلاء محمد بن غانم [1] في قوله: لم يقع منه في القرآن شيء لما فيه من التكلّف. وقال: إنّ القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم: ولي كما قال، ففيه من التخلّصات العجيبة ما يحيّر العقول [2] .
وانظر إلى سورة الأعراف: كيف ذكر فيها الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة، ثم ذكر موسى، إلى أن قصّ حكاية السبعين رجلا ودعائه لهم، ولسائر أمته بقوله:
{وَاكْتُبْ لَنََا فِي هََذِهِ الدُّنْيََا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ} وجوابه تعالى عنه، ثم تخلّص بمناقب سيّد المرسلين بعد تخلّصه لأمته بقوله: {قََالَ عَذََابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشََاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ} [الأعراف: 156] من صفاتهم كيت وكيت، وهم الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأميّ. وأخذ في صفاته الكريمة وفضائله.
وفي سورة الشعراء: حكى قول إبراهيم: {وَلََا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) } ، فتخلّص منه إلى وصف المعاد بقوله: {يَوْمَ لََا يَنْفَعُ مََالٌ وَلََا بَنُونَ (88) } [الشعراء: 87، 88] .
وفي سورة الكهف: حكى قول ذي القرنين في السدّ بعد دكّه الذي هو من أشراط الساعة، ثم النفخ في الصور وذكر الحشر، ووصف مآل الكفار والمؤمنين.
وقال بعضهم: الفرق بين التخلّص والاستطراد: أنك في التخلّص تركت ما كنت فيه بالكلّية، وأقبلت على ما تخلصت إليه. وفي الاستطراد: تمرّ بذكر الأمر الذي استطردت إليه مرورا كالبرق الخاطف، ثم تتركه وتعود إلى ما كنت فيه، كأنك لم تقصده وإنما عرض عروضا.
قيل: وبهذا يظهر أنّ ما في سورتي الأعراف والشعراء من باب الاستطراد لا التخلّص، لعودة في الأعراف إلى قصّة موسى بقوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسى ََ أُمَّةٌ} [الأعراف:
159]إلى آخره، وفي الشعراء إلى ذكر الأنبياء والأمم.
(1) هو محمد بن غانم المعروف بالغانمي، كان من فضلاء عصره، وشعره مشهور، وهو من شعراء نظام الملك، انظر اللباب 3/ 166.
(2) انظر البرهان 1/ 43.