رابعها: قياس الإعادة على إخراج النار من الشّجر الأخضر. وقد روى الحاكم وغيره: أنّ أبيّ بن خلف جاء بعظم ففتّه، فقال: أيحيي الله هذا بعد ما بلي ورمّ [1] ؟ فأنزل الله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] . فاستدل سبحانه وتعالى بردّ النشأة الأخرى إلى الأولى، والجمع بينهما بعلّة الحدوث. ثم زاد في الحجاج بقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نََارًا} [يس: 80] وهذه في غاية البيان في ردّ الشيء إلى نظيره، والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليهما.
خامسها: في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لََا يَبْعَثُ اللََّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى ََ}
[النحل: 38، 39] الآيتين. وتقريرهما: أنّ اختلاف المختلفين في الحقّ لا يوجب انقلاب الحقّ في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحقّ في نفسه واحد، فلمّا ثبت أنّ هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف ويرفع عنا الاختلاف إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلّا بارتفاع هذه الجبلّة، ونقلها إلى صورة غيرها صحّ ضرورة أنّ لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه هي الحالة التي وعد الله بالمصير إليها فقال: {وَنَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] حقد، فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذي ينكره المنكرون. كذا قرّره ابن السيّد.
ومن ذلك الاستدلال على أنّ صانع العالم واحد، بدلالة التمانع المشار إليها في قوله: {لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلَّا اللََّهُ لَفَسَدَتََا} [الأنبياء: 22] لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتّسق على أحكام، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته: فإما أن تنفذ إرادتهما فيتناقض لاستحالة تجزي الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدّين إن فرض الاختلاف.
وإمّا ألّا تنفذ إرادتهما فيؤدّي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدّي إلى عجزه، والإله لا يكون عاجزا.
(1) رواه الحاكم في المستدرك 2/ 429ولكن عنده جاء العاص بن وائل بل أبي بن خلف عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به وصححه على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
ورواه الطبري في تفسيره (29243) 10/ 464عن سعيد بن جبير به مرسلا لم يذكر ابن عباس.
وقد رواه الطبري 10/ 464عن مجاهد، وقتادة مرسلا. والواحدي في أسباب النزول ص 365، وقد رواه ابن جرير (29244) 10/ 464عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن أبي وأشار ابن جرير رحمه الله إلى هذا الاختلاف. ويتأيد الحديث بالمراسيل السابقة الذكر والله أعلم.