ومنها: التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام: قال حازم في «منهاج البلغاء» : إنما يحسن الحذف لقوّة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون في تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن
ذكرها. قال: ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجّب والتهويل على النفوس، ومنه قوله في وصف أهل الجنة: {حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَفُتِحَتْ أَبْوََابُهََا} [الزمر: 73] . فحذف الجواب، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شاءته، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك.
وكذا قوله: {وَلَوْ تَرى ََ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النََّارِ} [الأنعام: 27] أي: لرأيت أمرا فظيعا، لا تكاد تحيط به العبارة [1] .
ومنها: التخفيف لكثرة دورانه في الكلام: كما في حذف حرف النداء، نحو:
{يُوسُفُ أَعْرِضْ} [يوسف: 39] ، ونون {لَمْ يَكُ} [الأنفال: 53] ، والجمع السالم، ومنه قراءة {وَالْمُقِيمِي الصَّلََاةِ} [الحج: 35] ، وياء {وَاللَّيْلِ إِذََا يَسْرِ (4) } [الفجر: 4] ، وسأل المؤرّج السدوسيّ الأخفش عن هذه الآية، فقال: عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه، نقصت حروفه، والليل لما كان لا يسري، وإنما يسرى فيه نقص منه حرف، كما قال تعالى: {وَمََا كََانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28] : الأصل (بغية) فلما حوّل عن فاعل نقص منه حرف.
ومنها: كونه لا يصلح إلّا له: نحو: {عََالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهََادَةِ} [الأنعام: 73] ، {فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ} [هود: 107] .
ومنها: شهرته: حتى يكون ذكره وعدمه سواء، قال الزّمخشريّ: وهو نوع من دلالة الحال، التي لسانها أنطق من لسان المقال، وحمل عليه قراءة حمزة: {تَسََائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحََامَ} [النساء: 1] لأنّ هذا مكان شهر بتكرر الجارّ فقامت الشهرة مقام الذكر.
ومنها: صيانته عن ذكره تشريفا: كقوله تعالى: {قََالَ فِرْعَوْنُ وَمََا رَبُّ الْعََالَمِينَ (23) قََالَ رَبُّ السَّمََاوََاتِ} . الآيات، حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع: قبل ذكر الرّب أي: (هو ربّ) ، (الله ربّكم) ، (الله ربّ المشرق) ، لأنّ موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال، فأضمر اسم الله تعظيما وتفخيما. ومثّله في عروس الأفراح بقوله تعالى:
(1) قال الحافظ ابن قيم الجوزية في «التبيان في أقسام القرآن» ص 24، بتحقيقنا: «ومثل هذا أي حذف جواب (لو) حذفه من أحسن الكلام، لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما، فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دلّ عليه الشرط، وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم: لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا» اهـ.