بشغف شديد.
فما هي علاقة هذا الشاب أصلًا بهذا الكتاب؟! لا توجد أية علاقة يمكن أن تربطهما على الإطلاق؟ وكيف يقرأ هذا الشاب هذا الكتاب بهذا الشغف، وهو البعيد عن الثقافة؟ ألم يكن من المنطقي مثلًا أن يرى هذا الرجل أن شابًا متديِّنًا ومثقَّفًا يقرأ الكتاب؟ فإن كان قد حدث ذلك، فلعله حينئذ يدل على ناس متدينين يستفيدون من الكتاب مثلًا. أما هذا الشاب التافه الفاسد، فعَلَى ماذا عساه أن يدل؟
والجواب أن هذا الشاب في هذه الرؤيا قد يدل على معنى يُطلق عليه «التفسير الأَوْلَى للرمز» ، وهو أن يدل الرمز على معنى ضمني من باب أولى.
فمثلًا: في هذه الرؤيا، إذا كان الرائي قد رأى هذا الشاب الفاسد التافه يقرأ كتابه بهذا الشغف، أوليس من باب أولى أن يكون هذا الشغف والاهتمام بالكتاب أكبر، وأعمق، وأوسع تأثيرًا، وأكثر انتشارًا بين المتدينين والمثقفين؟ وهذا هو المعنى الحقيقي المقصود بالرمز هنا، وليس هذا الشاب مقصودًا لذاته أو لمعنى يتعلق به هو شخصيًا.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: نفترض أن رجلًا مُسلمًا صالحًا بسيط الحال حدثت بينه وبين زوجته مشاكل وهموم، فنام الرجل فرأى في منامه امرأة أجمل، وأغنى، وأقيم حسبًا، وأشرف نسبًا من زوجته تتودد إليه، فقد تدل له هذه الرؤيا على أن زوجته سوف تتودد إليه وتنتهي المشكلة؛ لأنه إذا كانت هذه المرأة التي هي أفضل من زوجته تتودد إليه في الرؤيا، أوليس من باب أولى أن تفعل ذلك زوجته التي هي أقل منها؟ وهذا هو المعنى الحقيقي المقصود بهذا الرمز، وليس هذه المرأة نفسها.
ومن الأشياء التي يمكن أن يُرجِّح من خلالها المفسر أن هذا الرمز هو من رموز «الباب أولى» ، أو الرموز التي تدل على شيء آخر لا علاقة له بكل ما يرتبط بها، أن يأتي الرمز في شكل بعيد كل البعد عما يمكن أن يحدث في الواقع.
فمثلًا: في المثال الأول، هذا الشاب الذي ظهر في الرؤيا يستحيل أن يقرأ هذا الكتاب في الواقع أو حتى أن يلتفت إليه، وفي المثال الثاني يستحيل أن يكون بين هذه المرأة وهذا الرجل في الواقع أية علاقة؛ لاختلاف الطبقات والثقافة ... إلخ.
والله (تعالى) أعلم.