فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 518

«الرؤيا الصادقة» هو تعبير ورد في السنة النبوية الشريفة بمعنى الرؤيا التي تكون من الله (عزَّ وجلَّ) . وسُمِّيت بـ «الصَّادقة» ؛ لأنها تخبر الرائي بمعانٍ صادقة تنطبق على واقع حياته.

أمَّا الرؤيا الكاذبة فهي عكسها، وتشمل كل الرؤى التي لا معنى لها، ولا ارتباط لها بالواقع كرؤى أحاديث النفس، والرؤى التي تكون من الشيطان.

والله (تعالى) أعلم. [1]

(1) حاشية السؤال الثالث عشر:

الرؤيا الصادقة هي كل رؤيا من الله (سبحانه وتعالى) سواء كانت مباشرة أو مرموزة.

ومع ذلك، فقد ذهب بعض العلماء إلى أن عبارة «الرؤيا الصادقة» إنما تُشير إلى الرؤى التي تتطابق مع الواقع فقط، أي أن هذه العبارة هي وصف للرؤى المباشرة فقط، وليست المرموزة.

ونحسب أن هذا القول خطأ، والدليل على ذلك ما جاء عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله تعالى عنها) أنها قالت: «رأيت كأن ثلاثة أقمار سَقَطن في حُجرتي» . فقال أبو بكر: «إن صدقت رؤياك دُفِن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة» . فلما مات رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال لها أبو بكر: «خير أقمارك يا عائشة» . ودُفن في بيتها أبو بكر وعمر» (مجمع الزوائد - رجاله رجال الصحيح) .

ففي هذا الأثر نرى أن أبا بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) قد استخدم عبارة «إن صَدَقَت رؤياك» في تفسيره لهذه الرؤيا المرموزة، مما يدل على أن «الرؤيا الصادقة» قد تشمل جميع الرؤى التي تكون من الله (عزَّ وجلَّ) بما فيها الرؤى المرموزة، وليست المباشرة فقط كما يزعم البعض.

ومع ذلك، نعتقد أن من قالوا بأن عبارة «الرؤيا الصادقة» إنما تُطلق على الرؤى المباشرة فقط دون غيرها، قد بنوا هذا الافتراض على أدلة فهموا منها ذلك، ومن ضمن هذه الأدلة:

أولًا: قول أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله تعالى عنها) : «أول ما بُدِئَ به رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح» (متفق عليه) ؛ ومعنى «فَلَق الصبح» : ضياؤه، والمراد هنا بوصف الرؤيا بأنها مثل فَلَق الصبح أنها واضحة (المنهاج - شرح صحيح مسلم للنووي) .

فربما استنتج البعض أن وصف الرؤى الصادقة بأنها مثل فَلَق الصُّبح يعني أن الرؤى الصادقة هي الرؤى المباشرة فقط، وذلك على أساس أن فَلَق الصبح يعني الوضوح، والوضوح في الرؤيا قد يُفهم منه أنها الرؤيا المُباشرة التي لا تحتاج لتفسير.

ولكن نعتقد أن هذا الافتراض غير دقيق؛ لأن الوضوح هنا قد يكون في معنى الرؤيا وما تدل عليه، وليس بالضرورة في شكلها.

وحتى لو افترضنا أن المقصود بتوصيف الرؤيا الصادقة التي رآها رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) قبل بدء الوحي بفَلَق الصبح أنها الرؤيا المُباشرة فعلًا كما يقولون، فليس ذلك دليل على أن جميع الرؤى الصادقة ينبغي أن تكون بالضرورة مُباشرة، بل قد تأتي بعض الرؤى غير مباشرة، وفي نفس الوقت تكون صادقة، كما تقدم الدليل على ذلك في حديث عائشة (رضي الله تعالى عنها) الأسبق ذكره.

وثانيًا: ربما استدل بعض من قالوا بأن الرؤيا الصادقة هي الرؤيا المباشرة بقول الله (عزَّ وجلَّ) : {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:27] .

فهذه رؤيا مباشرة رآها النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وتحققت كما رآها.

فربما يستنتج بعضهم أن قول الله (عزَّ وجلَّ) : {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} ، والذي فيه وصف لهذه الرؤيا المباشرة بأنها صادقة، إنما يدل على أن الرؤيا الصادقة هي الرؤيا المباشرة. ونحسب أن هذا الافتراض خطأ؛ فكون هذه الرؤيا المباشرة صادقة لا يعني بالضرورة أن جميع الرؤى التي تُسمَّى بـ «الصادقة» ينبغي أن تكون مباشرة.

وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن الرؤيا الصادقة قد تكون مباشرة، وقد تكون غير مباشرة (مرموزة) .

فالصدق في الرؤيا قد يكون في تطابق شكلها مع الواقع (الرؤيا الُمباشرة) ، أو في تطابق معناها فقط مع الواقع دون شكلها (الرؤيا غير الُمباشرة أو المرموزة) .

وكذلك، فإذا ما أخذنا في الاعتبار ما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة (رضي الله تعالى عنها) ، تأكد لدينا أن الرؤيا الصادقة تشمل كل الرؤى التي تكون من الله (سبحانه وتعالى) .

أما عبارة «الرؤيا الكاذبة» ، فهي مأخوذة من قول النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) : «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب» (حديث صحيح - رواه الترمذي) . ويُقصد بهذه العبارة كل رؤيا لا معنى لها كرؤى أحاديث النفس، والرؤى التي تكون من الشيطان.

وكذلك، تُستخدم أحيانًا عبارة «أضغاث الأحلام» للدلالة على الرؤى الكاذبة، وقد وردت هذه العبارة في القرآن الكريم في قول الله (تعالى) : «قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ» [يوسف:44] .

والله (تعالى) أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت