فيُحتمل أن تأتي الرؤى الصادقة من الله (عزَّ وجلَّ) للنائم بشكل مباشر، ويُحتمل أيضًا أن تأتي من الله (تعالى) للنائم بشكل غير مباشر، أي على يد مَلَك، ويُحتمل كذلك أن يكون كلا الاحتمالين صحيحًا؛ بمعنى أن هذا قد ينطبق على بعض الرؤى، بينما قد ينطبق ذاك على البعض الآخر.
والله (تعالى) أعلم. [1]
(1) حاشية السؤال التاسع عشر:
يقول الله (عزَّ وجلَّ) : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51] .
بناء على هذه الآية الكريمة، يمكن أن نخرج بنتيجتين، وهما:
1.أن في الآية الكريمة إشارة غير مباشرة إلى أن الله (تعالى) قد يخلق الرؤى الصادقة في وعي النائم بطريق الإيحاء المباشر أو الإلهام، كما قد يدل على ذلك قوله (تعالى) : {إِلَّا وَحْيًا} .
2.أن في الآية الكريمة إشارة غير مباشرة إلى أن الله (تعالى) قد يخلق الرؤى الصادقة في وعي النائم بشكل غير مباشر؛ أي على يد مَلَك، كما قد يدل على ذلك قوله (تعالى) : {يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} .
ومع ذلك، فلا يوجد في الآية الكريمة إشارة مباشرة وصريحة بخصوص هذا الموضوع، أو ترجيح لأحد هذين الاحتمالين على الآخر.
ومن الجدير بالذكر هنا، أن هذه المسألة هي من المسائل المذكورة كثيرًا في كتب أهل العلم، إلا أنها غير منضبطة عند أغلبهم (إن لم يكونوا كلهم) ، حيث جَزَموا دون دليل شرعي بأن للرؤى الصادقة مَلَكًا وكَّل الله (تعالى) إليه خلقها في وعي النائم، حتى لقد سمَّى بعضهم هذا المَلَك «صدِّيقون» ! وذلك على الرغم من أن مسألة «المَلَك الموكَّل بالرؤيا» هذه لا يمكن التأكد منها شرعًا؛ إذا لا يوجد عليها دليل صحيح صريح من قرآن كريم أو حديث شريف كما أوضحنا سابقًا، كما أن هذا الاسم المزعوم لهذا الملك (إن كان هناك ملك للرؤيا أصلًا) لا يوجد له أي أساس شرعي.
وقد استدل بعض المشتغلين بتفسير الرؤى استدلالًا خطأ بحديث ضعيف على صحة افتراض خلق الله (تعالى) للرؤى الصادقة على يد مَلَك.
والحديث هو أنه رُوي عن النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه قال: «رأيت كأني أُتيت بكتلة تمر، فَعَجَمْتُهَا في فمي، فوجدت فيها نواة آذتني، فلفظتُها، ثم أخذت أخرى فعجمتها فوجدت فيها نواة، فلفظتها، ثم أخذت أخرى فوجدت فيها نواة، فلفظتها» . فقال أبو بكر: دعني فَلَأَعبُرها؟ قال: «اعبُرها» . قال: هو جيشك الذي بعثت، يسلم ويغنم، فيلقون رجلًا فيَنشُدُهُم ذِمَّتَك، فَيَدَعونَه، ثم يلقون رجلًا، فينشدهم ذمتك، فيدعونه، ثم يلقون رجلًا، فينشدهم ذمتك، فيدعونه، قال: «كذلك قال المَلَك» (رواه أحمد) .
معاني الكلمات: «عَجَمتُها» : مضغتها
«لفظتها» : قذفتها من فمي
«دعني فَلَأَعبُرها؟» : هل تسمح لي أن أفسرها؟
وقد استدل بعضهم من العبارة الأخيرة «كذلك قال المَلَك» أن للرؤيا مَلَكًا وكَّل الله (عزَّ وجلَّ) إليه مهمة خلق الرؤيا في وعي النائم.
ومع ذلك، نقول أنه بالإضافة إلى ضعف الحديث، وعدم جواز الاستدلال به في مسألة مهمة من مسائل الغيب كهذه، فليست في العبارة الأخيرة منه إشارة واضحة إلى هذا المعنى، بل لقد قال أحد شارحي الحديث أن معنى هذه العبارة هو «كذلك أخبرني المَلَك» (الفتح الرباني) ؛ أي «كذلك أخبرني الملك بتفسير للرؤيا مثل تفسيرك، أو بأن تفسيرك للرؤيا صحيح» .
والله (تعالى) أعلم.