فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 518

2.تشجيع المسلم على الطاعات، وتثبيته عليها، وتنفيره من المعاصي، وإبعاده عنها.

3.العديد من المسلمين الجدد دخلوا في الإسلام بسبب رؤى صادقة رأوها.

4.تسلية الصابرين من أصحاب البلاءات، والمنكوبين، والتعساء من المسلمين، وتبشيرهم بالفرج.

5.توجيه المسلم لشيء يفيده في دينه ودنياه، أو تحذيره من شيء يضرُّه في دينه ودنياه.

6.مدح ناس، وإظهار صلاحهم، وذم آخرين، وفضح فسادهم.

7.تعليم المسلم لشيء معين يجهله.

8.تبشير المسلم بالنصر، ورفعة الشأن، والمستقبل العظيم في الدنيا والآخرة.

أما عن انشغال المسلم بالرؤى، فقد يكون خيرًا أحيانًا، وقد يكون شرًا أحيانًا.

فإذا كان هذا الانشغال يؤدي بالمسلم إلى ما فيه إصلاح، وتطوير، وتقوية لدينه ودنياه، فما أجمل هذا الانشغال، وما أعظمه.

أما إذا ما كان هذا الانشغال هو مجرد تسلية، وفضول، وتفاؤل وتشاؤم فقط دون أن يكون له أثر حسن على دين المسلم ودنياه، فهذا هو الانحراف عن الهدف الرئيس لتفسير الرؤى الصادقة، وهذا هو العبث وتضييع الوقت الذي يؤدي في النهاية إلى خسران الدنيا والآخرة (والعياذ بالله تعالى) .

والله (تعالى) أعلم. [1]

(1) حاشية السؤال السادس والعشرين:

(1) بما أن الرؤى الصادقة من الله (عزَّ وجلَّ) ، فإنها تقوم بدور كبير في تقوية شعور المسلم بقرب الله (سبحانه وتعالى) منه. وبالتالي، يؤدي ذلك إلى توطيد العلاقة بين المسلم وخالقه (جلَّ جلاله) . وقد لوحظ أن العديد من عصاة المسلمين قد التزموا (بفضل الله تعالى) بسبب رؤى رأوها.

(2) أما الرؤى التي تبين للمسلم المعروف، وتحثه عليه، وتبين له المنكر، وتحذره منه، فربما تندرج تحت معنى قول الله (تعالى) : {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة:115] .

(3) من أمثلة الرؤى التي كانت (بفضل الله تعالى) سببًا في هداية بعضٍ من غير المسلمين إلى الإسلام: هي الرؤيا التي رآها الدكتور وديع أحمد (الشمَّاس المصري السابق) ، والتي كانت سببًا في تحوُّله (بحمد الله تعالى) من النصرانية إلى الإسلام. يقول الدكتور عن هذه الرؤيا: «وذات يوم غلبني النوم، فوضعت المصحف بجواري، وقرب الفجر رأيت نورًا في جدار الحجرة، وظهر رجل وجهه مضيء، اقترب مني، وأشار إلى المصحف، فمددت يدي لأُسلِّم عليه، لكنه اختفى، ووقع في قلبي أن هذا الرجل هو النبي محمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) يشير إلى أن القرآن هو طريق النور والهداية» (كتاب رجال ونساء أسلموا - موقع الدكتور على الإنترنت) .

(4) رؤى البشرى بالفرج للمهمومين هي من أكثر أنواع الرؤى شيوعًا بين المسلمين، فلا يكاد يوجد مسلم لا يعرف هذا النوع من الرؤى.

(5) كثيرة هي الرؤى التي توجه الشخص إلى أشياء مفيدة في دينه ودنياه، ومنها: الرؤيا التي رآها ملك مصر الهكسوسي، والتي ذُكرت في القرآن الكريم في قول الله (تعالى) : {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف:43] ، والتي فسَّرها له يوسف (عليه السلام) بأن فيها توجيهات اقتصادية لحماية البلد من أثر مجاعة عظيمة، أو كما جاء في قول الله (تعالى) على لسان يوسف (عليه السلام) : {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَاكُلُونَ (47) ثُمَّ يَاتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) } [سورة يوسف] .

(6) أما الرؤى التي تمدح أو تذم شخصًا، فمنها ما هو مباشر وواضح بحيث يسهل فهمه على المسلم العادي، ومنها ما هو مرموز وصعب، ويحتاج لتفسير واستنباط لمعناه على يد أحد المتخصصين في تفسير الرؤى.

ومن أمثلة رؤى المدح المباشر لشخص: الرؤيا التي رآها النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) في تزكية عِلم عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) . فقد جاء عن النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه قال: «بينا أنا نائم أُتيت بقَدَح لبن، فشربت منه حتى إني لأرى الرِّيَّ يجري، ثم أعطيت فَضلَه عمر» ، قالوا: فما أوَّلتَه يا رسول الله؟ قال: «العِلم» (متفق عليه) .

أما بخصوص الرؤى التي تمدح أو تذم شخصًا بشكل غير مباشر، فمن أمثلتها: أن يرى شخص في منامه حمامة بيضاء، فهذا رمز قد يدل على امرأة صالحة، أو أن يرى في منامه ثعبانًا، فهذا رمز قد يدل على شخص فاسد مؤذٍ. وتحتاج أمثال هذه الرؤى لاجتهاد من المفسر لمحاولة معرفة الأشخاص الذين قد تشير إليهم في الواقع هذه الرموز وأمثالها.

(7) أما الرؤى التي يمكن أن يتعلم المسلم منها شيئًا مفيدًا، فمن أمثلتها: رؤى الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) ، والتي علموا من خلالها أن ليلة القدر قد تكون في واحد من الأيام السبعة الأواخر من شهر رمضان، وقد أكَّد لهم النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) معناها، حتى ينفي عن هذا المعنى أي شك أو احتمال، أو كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر (رضي الله تعالى عنهما) أنه قال أن رجالًا من أصحاب النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر. فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر؛ فمن كان متحرِّيَها فليتحرَّهَا في السبع الأواخر» ؛ أي في آخر سبع ليالٍ من شهر رمضان الكريم. (متفق عليه)

(8) أما الرؤى التي تبشر المسلم الصالح بالمستقبل العظيم، فهي كثيرة (بفضل الله تعالى) ، ومن أشهر أمثلتها: الرؤيا التي رآها النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) في المدينة المنورة قبل فتح مكة بعام، والتي بشرته (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه سوف يدخلها هو وأصحابه (رضي الله تعالى عنهم) آمنين منتصرين، وهي الرؤيا التي جاء ذكرها في قول الله (تعالى) : {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:27] .

أما بخصوص الاهتمام بالرؤى، فالصواب أنه من المفترض أن تعطي الرؤى الصادقة دفعة معنوية قوية للمسلم للإقبال على ما فيه خير دينه ودنياه، فهي وسيلة إلى هدف محدد، وليست غاية في ذاتها. أما الخطأ فهو التعامل معها على أنها هدف في ذاتها دون أن يكون لها أي تأثير إيجابي على المسلم بما يدفعه إلى ترقية دينه، وتطوير حياته.

وقد اشتهرت عن الإمام أحمد بن حنبل عبارة في هذا السياق، وهي قوله (رحمه الله تعالى) : «رؤيا المؤمن تسُرُّه ولا تَغُرُّه» (الآداب الشرعية) .

ومعنى هذه العبارة: أن التعامل الصحيح للمسلم مع الرؤيا الصالحة هو أن يفرح بها، ويستبشر خيرًا بفضل الله (تعالى) ، وبرحمته (سبحانه) ، مما يدفعه للمزيد من التقدم في دينه ودنياه، أما الخطأ فهو أن تسبب له هذه الرؤيا غرورًا في نفسه بحيث يتقاعس عن القيام بما فيه خير دينه ودنياه.

والله (تعالى) أعلم.

وفيما يلي مقال منشور على موسوعة «نول» Knol على الإنترنت بتاريخ الثاني من ربيع الأول 1430 هـ، والموافق لـ 27 فبراير 2009 مـ، لكاتبه الفقير إلى الله (تعالى) : جمال حسين عبد الفتاح.

إقبال المسلمين على تفسير الرؤى في العصر الحالي

ظاهرة تستحق البحث والدراسة

"خط الأحلام! اتصل على الرقم الفلاني، واسأل عن تفسير حلمك"،"فسر أحلامك، وأرِح بالك"،"اتصل على الخط الساخن للشيخ فلان، واترك حلمك، وسوف يتم تفسيره خلال 48 ساعة".

بهذه الكلمات وأمثالها، تخرج علينا وسائل الإعلام في الوقت الحالي، لتعلن بقوة عن ظاهرة واضحة وقوية، لم تكن موجودة بهذه القوة في عصور سابقة، وهي ظاهرة إقبال المسلمين المتزايد على الرؤى وتفسيرها، واهتمامهم الكبير بها. تلك الظاهرة التي أصبح المسلمون ينقسمون فيها إلى فئتين، وهما: فئة المهتمين بشدة بالرؤى وتفسيرها، الباحثين عن مفسري الرؤى في كل مكان، المشغولين بالرؤى في الصباح والمساء، وفئة أخرى على النقيض يُهوِّنون من شأن الرؤى وتفسيرها، بل ويهاجمون من يهتم بها، أو يتحدث عنها.

وقد يتسائل البعض: هل الاهتمام الكبير بالرؤى وتفسيرها خطيئة؟ ألم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) يهتم بالرؤى، ويسأل أصحابه (رضوان الله تعالى عليهم) بعد صلاة الفجر إن كان أحد منهم قد رأى رؤيا ليفسرها له؟ ألم تُذكر في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عشرات الرؤى وتفسيرها؟ ألم يمنح الإسلام اهتمامًا كبيرًا للرؤى، فجاء في تعاليمه أن كثيرًا منها يكون من الله (تعالى) ، وأن لها دلالات ومعاني قد تشير إلى أحداث مستقبلية؟ ألم يخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها من أجزاء النبوة؟ وأنها من المبشرات الباقية بعد انتهاء عصور الأنبياء؟ فما العيب إذن في الاهتمام بها؟ وما الضرر في ذلك؟

والإجابة على هذا السؤال بسيطة، وهي أن الاهتمام بالرؤى لا يوصف دائمًا بأنه خير، ولا يوصف دائمًا بأنه شر، ولكن يتوقف ذلك على الدوافع التي تؤدي بالمسلم إلى هذا الاهتمام، والنتائج التي يصل إليها بسبب هذا الاهتمام؛ أو بمعنى آخر الدور الذي تقوم به الرؤى في تطوير دين المسلم وحياته كما يحب الله (تعالى) ويرضى.

ولا شك أن اهتمام الجيل الأول من المسلمين بالرؤى وتفسيرها كان بدافع ديني محض، فكان حب الله (تعالى) ، والاشتياق إلى الجنة، والخوف من النار يدفعهم إلى تلقي الرسائل الإلهية في رؤى كل منهم بالكثير من الاهتمام. وفي نفس الوقت، كانت الرؤى تبشرهم ببعض الأمور في معيشتهم؛ من أجل أن تقوي صبرهم وإيمانهم عند البلاء، وتزيد من شكرهم لله (تعالى) عند النعمة، أو قد تأتي الرؤى لتبين لهم بعض أمور الخير؛ لتشجعهم على القيام بها، أو الاستمرار فيها، أو قد يروا في المنام ما يُحذرهم من بعض الشرور؛ ليحترسوا منها.

وهكذا، كان الاهتمام بالرؤى عند هذا الجيل المبارك اهتمامًا صحيًّا، يُصحح وضع المسلم في الحياة، ويسير به إلى الطريق الصحيح الذي شرعه الله (تعالى) له، ويسمو به إلى أعظم الخير في دنياه وآخرته، ويجعل منه مسلمًا ربانيًا يعبد الله (تعالى) كأنه يراه.

ومن الملاحظ أن ازدياد التدين بين المسلمين في العصر الحالي كان دافعًا قويًا لازدياد اهتمامهم بالرؤى وتفسيرها، هذا التدين الذي ازداد (بفضل الله تعالى) عن عصور سابقة قريبة. فكما ازداد الفساد والانحطاط بين المسلمين، ازداد كذلك الالتزام الديني بينهم. وبالتالي، تنامى اهتمام المتدينين بالرؤى وتفسيرها على سبيل الاقتداء بالجيل الأول من المسلمين، والالتزام بنهجهم في التماس كل ما يؤدي إلى تقوية وتطوير علاقتهم بالله (عزَّ وجلَّ) .

وعلى الرغم مما سبق، فلم يكن التدين وحده هو الدافع عند المسلمين للاهتمام الكبير بهذه الظاهرة في هذا العصر. فكذلك، كان من ضمن أسباب اهتمامهم بالرؤى وتفسيرها ازدياد المشاكل، والمعاناة، والإحباط، والبلبلة الفكرية بين المسلمين على كل المستويات، وبدرجات كبيرة جدًا، مع حالة من العجز الشديد عن التعامل معها، مما كان له أثر كبير في ازدياد لجوء المسلمين إلى الرؤى وتفسيرها؛ طلبًا للمخرج والخلاص مما لا يوجد منه مناص، وبحثًا عن البشرى من الله (عزَّ وجلَّ) في عالم مليء بكل ما يسيء.

وقد يكون هذا الدافع (السابق ذكره) إلى الاهتمام بالرؤى وتفسيرها مقبولًا، بل ومطلوبًا إذا كان المسلم يرغب في الخلاص من هموم الدنيا حتى لا تشغله عن هموم الآخرة، وإذا كان يريد إصلاح دنياه بهدف إصلاح آخرته على أساس أن الدنيا مزرعة الآخرة. أما إذا كان المسلم يبحث عن الخلاص من هموم الدنيا بسبب حب الدنيا ونسيان الآخرة، فهو مهموم لفراق حبيبته الدنيا له، ولا هدف له إلا أن تعود إليه حتى يأنس بها، وينهل من ملذاتها دون أي هدف وراء ذلك، فهذا هو الانحراف عن الهدف الرئيس في حياة المسلم، وهو الآخرة، وهذا هو الخروج بالرؤى عن هدفها الحقيقي وهو تقريب المسلم من الله (تعالى) ، ومن الجنة، وإبعاده عن طريق الشيطان، وعن النار.

وكذلك، فهناك من المسلمين من يعيش لهدف دنيوي معين، ويريد أن تخبره الرؤى بأنه على الطريق الصحيح لتحقيق هذا الهدف، فهذا لا يشغله في الحياة إلا امتحان الماجستير فقط، ولا هدف لتفسير الرؤى عنده إلا طمأنته بشأن الامتحان، وذاك لا يريد إلا أن يتمم صفقة تجارية معينة، ولا يريد من الرؤى إلا أن تكون دراسة جدوى لهذه الصفقة، فإذا تم له ما يريد، انتهت الرؤى من حياته بعد أن أدت المهمة المطلوبة، وهذه فتاة تريد أن تتزوج، ولا ترجو من الرؤى إلا أن تكون بشرى لها بعريس، فإذا ما تزوجت، نست الرؤى، وأيام الرؤى. ولا شك أن في هذه الحالات وأمثالها، لا يكون هذا الدافع في الاهتمام بالرؤى مقبولًا، بل وقد يكون خطيرًا جدًا؛ لأنه في هذه الحالة يكون نوعًا من التكريس لفكرة الركوض خلف الدنيا، ونسيان الآخرة.

فعلى المسلم الذي يهتم بالرؤى بسبب مشاكل حياتية أو رغبات دنيوية أن يراجع دوافعه وأهدافه من وراء هذا الاهتمام حتى لا يجد نفسه قد انغمس في الدنيا غمسة أبعدته عن هدفه الرئيس، وهو الآخرة. وبالتالي، يتحول الاهتمام بالرؤى إلى نوع من الانحراف في حياته.

وإذا كان الخلاص من الهموم الشخصية أو الرغبة في الحصول على بعض المكاسب الدنيوية دافعًا للاهتمام بالرؤى، فقد يكون ذلك محل نقاش وجدال، وموضع قبول أحيانًا، ورفض أحيانًا، إلا أن هناك من الدوافع ما لا يُختلف على أنها انحراف خطير ومرض خبيث في حياة المسلمين ينبغي علاجه.

ومن ضمن هذه الدوافع تأثير البيئة القومية على المسلم. فهناك بعض المجتمعات توارث فيها الناس تعظيم الرؤى، والاهتمام بها، والاعتقاد في أهميتها، والبحث عن معانيها، دون أن يكون لذلك أي ارتباط بالتدين أو بالآخرة، فتجد الاهتمام بالرؤى منتشرًا حتى بين المسلمين غير المتدينين. والهدف من تفسير الرؤى هنا هو الرؤى في ذاتها، وكأنه نوع من التقليد أو العادة فقط دون أي ارتباط بعقيدة ولا هدف معين ... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وليس الدافع السابق هو الأسوأ، بل هناك دوافع أخرى للاهتمام بالرؤى لا تقل سوءًا، بل وقد تزيد، ومنها التفاؤل والتشاؤم. فهناك من المسلمين من يهتم بالرؤى على طريقة غير المسلمين، والذين يتشاءمون من الرقم 13، أو القطة السوداء، أو يتفاءلون بالأبراج، والطالع، وقراءة الكف والفنجان، وأمثال هذه الخرافات التي لا يرضى عنها الله (تعالى) ، ولا يقبلها العقل السليم.

فربما تجد العديد من المسلمين يسيرون في هذا الطريق من الخرافة، فيكون اهتمامهم بالرؤى وتفسيرها كاهتمام غير المسلمين بالأبراج وباب حظك اليوم المنتشر في العديد من الصحف. فالرؤى وتفسيرها بالنسبة لهم نوع من رفع الحالة المعنوية؛ لاستقبال الحياة ببهجة، وإشراق، وثقة في النفس، ليس إلا، ولا علاقة لهذا الاهتمام بعقيدة ولا شريعة ... نسأل الله (تعالى) لنا ولهم الهداية.

واستمرارًا لمسلسل الدوافع المنحرفة للاهتمام بالرؤى وتفسيرها، نجد بعض المسلمين يهتم بها بدافع من التسلية، أو ملئ الفراغ، أو الاهتمام بالظواهر الغامضة والعجيبة. وقد تجد بعضهم يهتم بها تأثرًا بفيلم أو قصة أجنبية رأى فيها البطل رؤيا فتحققت له في نهاية الفيلم أو القصة.

وفي مقابل كل هذه الدوافع المنحرفة، نجد وسائل الإعلام قد زادت المشكلة سوءًا، فصدَّرت عددًا من المنحرفين ممن يدَّعون قدرتهم على تفسير الرؤى، فصنعت منهم نجومًا تتاجر بهم، وتزيد من ضلال المسلمين وانحرافهم في هذه المسألة الخطيرة. وفي الوقت الذي نجد الدجالين ووسائل الإعلام المغرضة قد ملأت الفراغ، نجد بعض العلماء المسلمين يهاجمون تفسير الرؤى، وينكرون أن يكون لتفسيرها علم، ويقللون من شأن المسألة وأهميتها، بدلًا من محاولة تشجيع البحث العلمي في هذا الموضوع، والأخذ بيد من يحاول بصدق خدمة المسلمين فيه؛ أملًا في محاربة الجهل والفوضى بالعلم الصحيح.

وهكذا، تتعقد المشكلة وتتعدد أطرافها بشكل يُصعِّب حلها.

وأخيرًا، وبعد أن استعرضنا باختصار ظاهرة انتشار الطلب على تفسير الرؤى بين المسلمين، يمكن القول بأن هذه الظاهرة قد تكون خيرًا في حياة المسلمين إذا ما كانت داعمًا ومعينًا لهم على الخير في آخرتهم ودنياهم. وهي خير ما دامت ترتبط عند المسلم بعقيدته وعلاقته بالله (تعالى) ، فتقويها.

أما إذا ارتبطت الرؤى وتفسيرها عند المسلمين بدوافع لا علاقة لها بالدين ولا بالآخرة، فإن الاهتمام بها هنا يكون ظاهرة مَرَضيَّة في حياة المسلمين، ولن تؤدي حينئذ إلا إلى مزيد من الانحطاط في حياتهم.

أسأل الله (تعالى) أن يرينا الحق حقًا، وأن يرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا، وأن يرزقنا اجتنابه. آمين

والله (تعالى) ولي التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت