فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1199

وهو دليل لأهل السنة على جواز الرؤية، فإن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله كفر {قال لن تراني} بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء والنوال بعين باقية، وهو دليل لنا أيضا لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفيًا للجواز، ولو لم يكن مرئيًا لأخبر به بأنه ليس بمرئي إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه} بقي على حاله {فسوف تراني} وهو دليل لنا أيضًا لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن، وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه، والدليل على أنه ممكن قوله {جعله دكًا} ولم يقل (اندك) وما أوجده تعالى كان جائزًا أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار في فعله، ولأنه تعالى ما أيأسه عن ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالًا لعاتبه كما عاتب نوحًا عليه السلام بقوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] حيث سأل إنجاء ابنه من الغرق.

{فلمّا تجلى ربّه للجبل} أي ظهر وبان ظهورًا بلا كيف.

قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلمًا ورؤية حتى رأى ربه، وهذا نص في إثبات كونه مرئيًا، وبهذه الوجزة يتبين جهل منكري الرؤية وقولهم بأن موسى عليه السلام كان عالمًا بأنه لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهره} [البقرة: 55] فلطلب الرؤية ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي باطل إذ لو كان كما زعموا لقال أرهم ينظروا إليك ثم يقول له: لن يروني.

ولأنها لو لم تكن جائزة لما أخر موسى عليه السلام الرد عليهم بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سماعه لما فيه من التقرير على الكفر، وهو عليه السلام بعث لتغييره لا لتقريره، ألا ترى أنهم لما قالوا له {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة} لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله {إنكم قوم تجهلون} .

وقال الكعبي والأصم: معنى قوله {أرني أنظر إليك} أرني آية أعلمك بها بطريق الضرورة كأني أنظر إليك {لن تراني} لن تطيق معرفتي بهذه الصفة {ولكن انظر إلى الجبل} فإني أظهر له آية، فإن ثبت الجبل لتجليها و {استقر مكانه} فسوف تثبت لها وتطيقها.

وهذا فاسد لأنه قال: {أرني أنظر إليك} ولم يقل {إليها} وقال: {لن تراني} ولم يقل لن ترى آيتي وكيف يكون معناه لن ترى آيتي وقد أراه أعظم الآيات حيث جعل الجبل دكًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت