وإنما ذكّر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة، لأن الكتاب إن كان خبره كان ذلك في معناه ومسماه مسماه فجاز إجراء حكمه عليه بالتذكير والتأنيث، وإن كان صفته فالإشارة به إلى الكتاب صريحًا لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له، تقول: هند ذلك الإنسان أو ذلك الشخص فعل كذا.
{لاَ رَيْبَ} وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق وقد ارتاب فيه كثير لأن المنفي كونه متعلقًا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه لا أن أحدًا لا يرتاب، وإنما لم يقل {لا فيه ريب} كما قال: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] لأن المراد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه وإثبات أنه حق لا باطل كما يزعم الكفار، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتابًا آخر فيه ريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] ، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي.
وإنما قيل {هدى لّلْمُتَّقِينَ} والمتقون مهتدون لأنه كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة على ما هو ثابت فيه واستدامته كقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} ، أو لأنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقوله عليه السلام: «من قتل قتيلًا فله سلبه» وقول ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض، فسمى المشارف للقتل والمرض قتيلًا ومريضًا.
ولم يقل: هدى للضالين. لأنهم فريقان فريق علم بقاءهم على الضلالة، وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى وهو هدى لهؤلاء فحسب، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا فقيل {هدى للمتقين} مع أن فيه تصديرًا للسورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن بذكر أولياء الله.