المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 277
1 -وَبَشَّرْناهُ (أي إبراهيم) بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ الصّافّات: 112
2 -وَبارَكْنا عَلَيْهِ (أي إبراهيم) وَعَلى إِسْحاقَ الصّافّات: 113
3 -كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ يوسف: 6
يلاحظ أوّلا: أنّ الآيات الخمس الأولى الّتي ذكر فيها"إسماعيل"كلّها مدنيّة، منها ثلاث في البقرة خطاب إلى بني إسرائيل. فكأنّ اللّه تعالى أراد تلقينهم نبوّة إسماعيل الّذي كان النّبيّ صلّى اللّه عليه واله من ذرّيّته، وأن لا يفرّقوا بينه وبين الأنبياء الّذين هم من بني إسرائيل. ويؤيّده تذييل الآية"136"من البقرة، والآية"84"من آل عمران بقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.*
وعلى الجملة فالسّياق في الآيات الخمس حثّ لأهل الكتاب على الإيمان بجميع الأنبياء وعدم التّفريق بينهم، ولهذا يأتي بأسماء آخرين منهم. ويذيّل آية النّساء"164"بقوله: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، أي يجب الإيمان بكلّ من قصصناهم ومن لم نقصصهم عليك.
أمّا الآية"39"من سورة إبراهيم فهي مكّيّة، لكنّها شكر من إبراهيم على أن وهب له على الكبر إسماعيل وإسحاق. ومعلوم أنّه لم يكن يحمد اللّه على إسحاق أو إسماعيل فقط، فأتى بهما جميعا.
وثانيا: أنّ إسماعيل جاء فيها قبل إسحاق إيماء إلى سبق ولادته، كما هو ثابت عند المسلمين، وأنّه أكبر سنّا من أخيه إسحاق، أو تكريما له باعتبار أنّه الذّبيح وأنّه جدّ النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه واله.
وثالثا: أنّ سائر الآيات كلّها مكّيّة، يحكي اللّه لمشركي مكّة ما وهب إبراهيم في كبره من الولد إسحاق وبعده يعقوب. على أنّ فيها نكتة أخرى توازي ما قلناه في المدنيّات، ففيها ألزم اللّه أهل الكتاب بالإيمان بنبوّة إسماعيل أبي النّبيّ والعرب، وفي المكّيّات يعرّف العرب بأنبياء من ذرّيّة إسحاق لكي يؤمنوا بهم.
فمجموع الآيات تقريب بين أهل الكتاب والأمّيّين بأن يعرف بعضهم البعض، ويؤمن كلّ فريق بالأنبياء الّذين هم من الفريق الآخر تأليفا بينهم، وهذا هو دأب القرآن في وحدة الأمم والأديان، خاصّة أهل الكتاب منهم.
ورابعا: أنّه اكتفى في الآيات الثّلاث الأخيرة- وهي مكّيّة أيضا- بذكر إسحاق مع إبراهيم دون يعقوب، لأنّ البركة والإعجاز مخصوص بهما.
وخامسا: أنّ إبراهيم مذكور- باسمه أو بضميره- في جميع هذه الآيات، لأنّها تدور حول ما وهبه اللّه له من الذّرّيّة، فهو محور الكلام في تلك الآيات. وتمام البحث في"إسماعيل".