المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 145
الآدميّين، فقالوا: أبل الرّجل وتأبّل عن امرأته، إذا اجتزأ عنها وتوحّش، كما يجتزئ الوحش عن الماء.
وأبل الرّجل يأبل أبالة، إذا تنسّك وترهّب، ولذا يقال للرّاهب: أبيلا، لأنّه اجتزأ بالعبادة عن النّساء ولذيذ العيش.
2 -وأمّا الأبلّ فهو"أفعل"من"ب ل ل"، وهو الجري ء المقدام من الرّجال الّذي لا يستحي ولا يبالي.
ويقال: هو الفاجر الشّديد الخصومة. ويقال: هو الحذر الأريب.
والوبيل من"و ب ل"، وهو يدلّ على الشّدّة والثّقل، لاحظ"و ب ل".
وأمّا"أبلته"من الحديث:"كلّ مال زكّي عنه ذهبت أبلته"، فهمزته مبدلة من"واو"، أراد"وبلته"، أي فساده.
3 -فتبيّن ممّا تقدّم أنّ اللّغويّين خلطوا في هذه المادّة بين أصول ثلاثة هي:"أ ب ل"و"ب ل ل"و"و ب ل"، وليس كلّها من"أ ب ل". فما كان فيه معنى الكثرة والاجتزاء فهو من هذا الباب، وما فيه معنى الثّقل فهو من"و ب ل"، وما فيه معنى الامتناع والخصومة فهو من"ب ل ل".
الاستعمال القرآنيّ
فيها آيتان:
الأولى: وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ...
الأنعام: 144.
وفيها بحوث:
1 -تعتبر الإبل من الأنعام في القرآن، كما هي في اللّغة، لقوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا الأنعام: 142، ثمّ يفسّره بقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ... الأنعام: 143، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ... الأنعام: 144.
2 -وجاء كلّ من الأنعام مقرونا بمثله، فالإبل والبقر متشابهان في الجسم وفي المنافع، وهي اللّحم واللّبن والحمل والرّكوب، والضّأن والمعز كذلك عدا الحمل والرّكوب. كما يلحظ تناسب الألفاظ في القرينين؛ فالضّأن والمعز كلاهما على وزن"فعل"والإبل والبقر على وزني"فعل"و"فعل"، ولا يخفى ما فيها أيضا من عذوبة اللّفظ وحلاوته، لا سيّما وأنّ زيادة الحركة في الإبل والبقر تدلّ على زيادة المنفعة؛ إذ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني.
3 -وقدّمت الضّأن على المعز إشعارا بكثرتها وإصالتها عند العرب، كما أنّ تقديم الإبل على البقر يدلّ على ذلك.
4 -وذكر الإبل كان خطابا موجّها إلى المشركين، وذكر البقر والغنم في الآيات التّالية كان حكاية عن اليهود: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ... الأنعام:
146، إشعارا بأنّ الإبل هي حيوان العرب دون اليهود، ولعلّ الاكتفاء بذكر الغنم في آخرها دون المعز يدلّ على اختصاص المعز بالعرب أيضا.
الثّانية: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ*