فهرس الكتاب

الصفحة 1901 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 81

وابن السّبيل، فجملة (و لا تبذّر) عطف على (ات) ، وهي بمنزلة الاستثناء منه، مثل: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الأنعام: 152، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ الأنعام: 151، ونحوهما.

وقد حاول الزّمخشريّ التوّفيق بين القولين، أي كون التّبذير في غير الحقّ أو في المعصية، فقال:

"التّبذير": تفريق المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف"، وجملة إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ في الآية الثّانية تعليل."

ثامنا: قرن اللّه تعالى إيتاء الحقّ في الآية الأولى بالنّهي عن التّبذير، كما قرن إيتاء الصّدقة بالنّهي عن الإسراف، في قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا الأنعام: 141، وهذا يعني أنّ التّبذير والإسراف سيّان، وبه جاء الحديث عن الإمام الصّادق عليه السّلام؛ حيث قال:"إنّ التّبذير من الإسراف"، وفيه إشعار بأنّ الإسراف أعمّ من التّبذير، كما سيأتي.

تاسعا: وقد افترق التّبذير عن الإسراف في القرآن من وجوه:

1 -أنّ"التّبذير"فعلا ومصدرا وصفة جاء- كما سبق- ثلاث مرّات في آيتين من سورّة مكّيّة، والحال أنّ"الإسراف"بصيغة العشر فعلا ومصدرا وصفة جاء (26) مرّة في (16) سورة مكّيّة، و (3) سور مدنيّة، فالتّأكيد عليه أشدّ وأدوم؛ حيث كان قبل الهجرة، واستمرّ بعدها.

2 -أنّ التّبذير في سياق الآيتين خاصّ بالإنفاق على ذوي الحاجة، كالمسكين وابن السّبيل وذي القربى، وليس فيه تصريح بشموله لغير الإنفاق، والحال أنّ الإسراف بصريح الآيات يشمل الإنفاق والعقيدة والمعصية والأكل والشّرب والقتل وأكل المال والظّلم.

وفيه ما يعمّ غير ذلك، مثل: وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الشّعراء: 151.

3 -كما أنّ ظاهر القرآن يخصّ التّبذير بالإفراط والزّيادة على ما ينبغي دون التّفريط والنّقص، أمّا الإسراف فهو الإفراط بصريح القرآن؛ حيث جعله مقابلا للتّقتير، في قوله: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا الفرقان: 67.

4 -أمّا من ناحية الجذر، فقد علمت أنّ أصل التّبذير هو البذر، حسب ما اخترناه، وأصل الإسراف السّرفة، وهي دودة تنسج على بعض الشّجر، وتأكل ورقه، وتهلك ما بقي منه بذلك النّسج، ثمّ أطلق السّرف والإسراف على كلّ عمل جاوز القصد، لاحظ"س ر ف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت