المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 631
عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا* أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا الفرقان: 22 - 24
يلاحظ أوّلا: أنّ الوعيد بالعذاب بلفظ التّبشير أوقع في النّفوس وأبلغ في الإنذار من غيره، ففيه وعيد وسخريّة؛ إذ كأنّ الكفّار والمنافقين يتوقّعون الأجر الحسن على أعمالهم، فجاءهم العذاب بدل الأجر، وهو خلاف ما توقّعوه.
ثانيا: أنّ"العذاب"جاء نكرة في جميع الآيات، موصوف بلفظ"أليم"، وفيه من التّأكيد والإحكام ما لا يخفى. وأضيف إليه في آية التّوبة قوله: فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ، وهو تهكّم آخر، ومثله كثير في القرآن، لاحظ"ع ذ ب"و"ذ وق".
ثالثا: أنّ اللّه جعل المنافقين شركاء الكفّار في التّبشير بالعذاب الأليم في (6) .
الرّياح مبشّرات وبشرا:
1 -وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الرّوم: 46
2 -وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأعراف: 57
3 -وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا* لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا
الفرقان: 48، 49
4 -أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ النّمل: 63
يلاحظ أوّلا: أنّ الرّياح الّتي تعقبها الأمطار هي مبشّرات رحمة اللّه، ورحمته هي المطر، وليس جميع الرّياح كذلك، ففيها ريح صرصر عاتية، كما أنّ للرّياح فوائد أخرى، مثل جري الفلك وتلقيح الأشجار والنّبات وغيرهما، لاحظ"ر وح".
ثانيا: عبّر عنها في (1) باسم الفاعل جمعا، وفي سائر الآيات بالمصدر مفردا"بشرا"، وهذا آكد، مثل:
زيد عدل.
ثالثا: جاء قوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ بعد (بشرا) دائما، وهو تأكيد آخر وبيان أوضح ل (بشرا) ، وجاء مكانه قوله: وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ بعد (مبشّرات) ، وشتّان ما بينهما عند من يتذوّق العربيّة.
رابعا: أنّ في الإتيان بلفظ"الرّياح"في موضع الرّحمة وبلفظ"الرّيح"في العذاب سرّا، وهو أنّ المختصّين بالأنواء الجوّيّة يقولون: إنّ الأمطار إنّما تنبعث من الرّياح الّتي تحيط بالسّحاب، فتجمعها وتضغط عليها حتّى ينشأ منها"المزن"فتمطر، لاحظ كتاب"باد وباران در قرآن"للمهندس بازرگان، وأمّا الرّيح فهي عقيم مسخّرة للدّمار والخراب، كما صرّح به القرآن:
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ الذّاريات:
41، وهي صرصر أيضا: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ الحاقّة: 6.
الإبشار: