فهرس الكتاب

الصفحة 2552 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 731

مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ طه: 96

يلاحظ أوّلا: أنّ"بصر به"- بضمّ العين وقد يأتي بالفتح والكسر- في اللّغة بمعنى أبصر، من دون قيد زائد، وقد جاء في التّفاسير:"جعلت أخت موسى تنظر إليه من بعيد كأنّها لا تريده"،"تمشي جانبا وتنظر اختلاسا، ترى أنّها لا تنظره"، إعجاز من إعجاز النّظم القرآنيّ الّذي تشخّص فيه الكلمة ألطف المعاني وأرقّها ...

ففي كلمة (بصرت) نرى أنّ قلب تلك الأخت كان أمام عينيها، فلم تبحث عن أخيها بعينيها، ولم تسمع أخباره بأذنيها، وإنّما كانت كيانا من الحذر والحيطة؛ بحيث تقرأ الحركات والإشارات، وتتأمّل الرّموز والألغاز.

فالبصر هنا بصر علم أقرب ما يكون إلى الإلهام، كقوله: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ.

فنرى أنّ"بصر"في الأوّلين فسّر بالنّظر بالبصر اختلاسا، وفي الثّالث بمعنى العلم، وأدّعي أنّ فيهما إعجازا بليغا. ونحن مع الاعتراف بهذا اللّطف في المعنيين نقول: إنّ ذلك لا يعدّ معنى للفظ"بصر به"بل هما مستفادان من الجملة، ولا سيّما من قوله: عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.

ثانيا: نبّه الطّبرسيّ- وكذا الآلوسيّ- على الإيجاز الدّالّ على الإعجاز باللّفظ القليل المعنى على المعنى الكثير في الآية، وبيانه: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ، فتبعته أخته، ورأت آل فرعون قد انتشلوا التّابوت من الماء، وأخرجوا موسى منه، فَبَصُرَتْ بِهِ.

ونحن نضيف إلى ذلك: أنّ حذف هذه الجمل لوضوحها يحمل لطيفة أخرى، وهي دلالتها على عجلتها في الاطّلاع على مصير أخيها؛ حيث انعكست في حذف هذه المقدّمات عند حكاية القصّة.

ثالثا: في قوله: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ القائل هو أمّ موسى، والمقول له هو أخته القاصّة، والمقصوص هو موسى الطّفل الحبيب الّذي وقع في قبضة فرعون عدوّه اللّدود. وهذه المفاهيم تبعث العاطفة والإحساس على ما لا يطيقه البيان، سوى نفس الآيات:

وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ* فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ القصص: 10 - 13.

رابعا: حمل أكثرهم"بصر"في آية (طه) على العلم، مع حملهم آية القصص على رؤية البصر قولا واحدا وهو ظاهر، أي علمت بما لم يعلموا، وقال آخرون:

فطنت بما لم يفطنوا. ولا نرى وجها لذلك، سوى أنّها كانت رؤية خاصّة به كسرّ، والسّرّ يعلم ولا يرى.

إلّا أنّه يسوغ لنا أن نحمله كما حملوا"بصر"في آية القصص عليه، من رؤية البصر سرّا وخفية واختلاسا.

وقد جمع بعضهم بين المعنيين، قال: رأت ما لم يروا، وعرفت ما لم يعرفوا.

وقال الطّباطبائيّ:"إبصاره جبرئيل حين نزل راجلا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت